أخبار ثقافية

محمد عبد المطلب.. محاولة لمقاربة الوجدان المصري

محمد عبدالمطلب- أرشيفية

في أغنية ساكن بحي السيدة وحبيبي ساكن بالحسين، يمكن لنا بوضوح فهم علاقة الشعب المصري بالتدين الفطري، فالأغنية تنطوي على أسماء مقامات أثيرة لدى أهل مصر، منها مقام السيدة زينب ومقام سيدنا الحسين رضي الله عنهما، لا بل تجعل منهما كوبليه يتنقل بين مفاصل الأغنية ذات الدقائق الست.

التقط الشاعر زين العابدين هذه الروح من الأستاذ محمد عبد المطلب، إذ تقول الحكاية إنه تعرض لوعكة صحية، وكان أن نمت بداخله بوادر الاعتزال لتأثر صوته بهذه الوعكة الطارئة،

 

وكان لا يفعل شيئا سوى أن يؤدي صلاة الفجر وصلاة العشاء في مقام سيدنا الحسين.

 

تلقف هذه الكلمات الملحنُ محمد فوزي، فصنع منها تحفة لحنية ظلت ترددها الأجيال حتى يومنا هذا.

 



لطالما كان يطيب للشعراء الصوفيين أن يمزجوا ما بين التوجد العذري بحب المحبوب برجاء القرب من الله سبحانه وتعالى، وقد ظل هذا المزج يشكل شيئا من اللبس لدى المتلقي، وقد ظلت هذه الإشكالية محيرة لنا، منذ ترجمان الأشواق للشيخ الأكبر ابن عربي في رحلته إلى الحج وحتى وقتنا الحاضر.

إن حالة التسامي بين العشقين، التي ينشدها المتصوفة ويجعلوننا جزءا منها، هي ما تنطوي عليه معظم أعمالهم التي خلدها لنا التاريخ.

بالعودة إلى الأغنية المذكورة سابقا، فإن خرائط جوجل تقول بأن المسافة بين مقام السيدة زينب ومقام سيدنا الحسين مشيا على الأقدام هي 9 دقائق، مما يعني أن 36 دقيقة في اليوم من التوجد والرجاء هي رحلة الخيال يوميا للشاعر وللملحن والمغني في مسيرتهم الجميلة، لكي ينال كل منهم الرضا (وعشان أنول كل الرضا) من ذلك المحبوب الذي يسكن في الحسين.
إن كلا من المسافة والزمن ظلا معلقين إلى يومنا هذا بسؤال الرجاء والرضا، الذي لم نعرف له جوابا حتى الآن.

قد يكون من غير المجدي معرفة الجواب، إلا أن وقوفنا للحظات على الحافة مع الاجتهاد بالسعي هو غاية ما يمكن إدراكه.

وبالنسبة إلى مجمل ما قدمه الأستاذ محمد عبد المطلب، هذا الصوت الذي نفتقد رخامته ودفئه هذه الأيام، فإنه سيكون من اللائق بنا دخول عالمه بهذه الأغنية الجميلة والفريدة.

صوت عبد المطلب يوصف بالدفء وقربه من الإحساس الشعبي والثقافة الشعبية، وبإمكانيات عالية كان قد أغرى جميع أساطين التلحين بالعمل معه؛ بدءا من الثلاثينيات من القرن الماضي وعبر مسيرة امتدت ما يقارب أربعة عقود من العطاء.

أكثر من تعاون معه في جميع مراحله هو الأستاذ محمود الشريف، الذي أدرك أن هذا الصوت رغم قربه من الإحساس الشعبي، إلا أنه يمتلك مساحة صوتية كبيرة تؤهله لصناعة الطرب بنكهته الخالصة، التي يستمتع بها عامة الناس، فضلا عن خاصتهم، لكن لا بد من مفردات تكون قريبة من العامة تطربهم وتلامس تفاصيل حياتهم اليومية، وحديث وجدانهم المعتاد ومشاعرهم الدفاقة، وحاجتهم الملحة للحن يتغنى به صوت قادم من مكان يألفونه، فيكون قريبا ومألوفا لديهم.

تسلسل بعد ذلك من هذه المدرسة مطربون؛ منهم محمد رشدي ومحمد العزبي وشفيق جلال.
وأول لحن خاص لعبد المطلب صنعه له الأستاذ محمود الشريف هو (بتسأليني بحبك ليه)، وقد اشتهرت هذه الأغنية وأحبها الناس ولفتت الأنظار، وطربت الأسماع لهذا الصوت القادم من محافظة البحيرة في شمال مصر، بعد أن كان مجرد رديد في بطانة محمد عبد الوهاب.

 





خلطة النجاح لأعمال هذا الفنان كانت هي بساطة الكلمات واللحن، بالإضافة إلى جرعة طربية تتماشى مع الحس الشعبي وتتعانق مع مفرداته وحسه الوجداني، وإذا أردت البحث عن هذا المزيج المذهل، فحتما ستجده في كل أغاني عبد المطلب، التي اشتهرت وأرخت سدولا من لحظات المحبة والبساطة التي عاشها المصريون في تلك الأوقات.

استمع لأغانٍ من مثل (آه من جمال العيون) ألحان الشيخ زكريا أحمد، أو أغنية (اسأل علي مرة) ألحان الشيخ سيد مكاوي، أو أغنية (ودع هواك) للأستاذ محمود الشريف، أو الأغنية الدينية الشهيرة (رمضان جانا) كلمات الأستاذ حسين الطنطاوي وألحان الأستاذ محمود الشريف 

 

هذه الأغنية ذات الكلمات البسيطة واللحن الاحتفالي الذي شدا به عبد المطلب في أغنية رمضان جانا.

 





لحن يبدأ باحتفالية تعلن بكل ما فيها من بهجة عن نهاية الانتظار والشوق الذي طال والاستعداد لاستقبال عائد طال انتظاره، فعبر هذا الشدو عن توق الناس ونظرتهم لقدوم رمضان بصفته شهرا ذا قدسية تستحق الاحتفال والفرح والتمجيد، وبهذا أصبحت هذه الأغنية أيقونة تعلن لنا بداية الشهر الفضيل وتنبه سعادة قدومه في قلوبنا.

 



 الأستاذ محمد عبد المطلب فنان كبير، وأهم ما ميزه صدقه في نقل أحاسيس العامة وتفرده بصوت واسع المساحة، مكنه من إمتاعنا بألوان من الطرب الخالص، التي لازالت تدهشنا وتلهم عشاق الفن والباحثين عن الأصالة. 

لو كان لأحد ما أن يكتب التاريخ الوجداني لشعب ما في فترة ما، فلا بد له من مراجعة الفنون التي كانت ترددها ألسنة ذلك الشعب في تلك الحقبة، والنظر في كل فن كانت تحبذه أسماعهم وتطرب له القلوب وتلفت إليه أرواحهم قبل أنظارهم، هذا سيكون أجدى بمراحل من مراجعة تاريخ القادة السياسيين والحروب والهزائم والانتصارات التي تخضع لأهواء من كتبوها وتكتب وفقا لانتماءاتهم، لذا فإن البحث في المشاعر الداخلية وما يستثيرها من فن وأدب، سيطلعنا على أمزجة الناس واهتماماتهم بل وسياستهم بشكل حقيقي، ومعرفة مكانهم من التاريخ.