قضايا وآراء

من أين تبدأ المعرفة؟

1300x600
لا تؤدي المعرفة بالضرورة إلى الإيمان، بل إن أكثر المعارف قد تحجب الإنسان عن الله، ويُحال بها بين المرء وقلبه. لكنَّ الإيمان، على النقيض من ذلك كله؛ يفتح أبواب العلم النافع جميعا. يفتحها على مصاريعها. ومن ثم، كانت المعارف التي تبدأ باسم الله، وفي سبيل الله؛ تَصِلُ القلب بالله، وتصل العمل بالله، وتصل الكون المكلَّف كله بالله.

وهي لا تصله وصلا يُشبِهُ "دروشة" الجهَّال التي بها يدَّعون وصلا، وإنما تصله وصل الاستمداد في الفهم، والاستعانة في الحركة، والتصويب للوِجهة، ورُشد القصد إلى الغاية. فكأنها تُعيد خلق المعارِف وخلق مآلاتها من جديد، بل تُعيد خلق الإنسان نفسه على مُراد الله. ولهذا، فحتى حين يخلُد حامل هذه المعرفة إلى الأرض، أو يتَّبع هواه - بطول الأمد - ركونا إلى طينه؛ فإن هذه المعرفة لا تتحوَّل إلى أداة تدمير وإفساد في الأرض (كما نرى اﻵن من تجليات "حضارة الكُفر" في كل مكان)، لكنَّها تتكلَّس وتنطفئ وتبرُد وتموت واقفة. تموت ويبقى لها عبق أبدي عميق، كالعبق الذي يفوح من زخرفات المساجد التي بناها طواغيت الحُكَّام على مرِّ العصور.

والفارق الأعظم بين المعرفة التي تبدأ باسم الله، وبين غيرها من ضلالات بني آدم التي نُسميها "معرفة"؛ أن الأولى تبدأ بك من فطرة الكليات الكبرى في هذا الكون، وتنحدِرُ بك إلى الجزئيات التفصيليَّة؛ واعيا بأن هذه الشظايا الإجرائية والتقنيَّة - التي شُغِلتَ بها في يومك - مُسخَّرة لخدمة نظام الوجود. لهذا؛ فلا يُمكن أن يُستَعْبَد صاحب هذا العلم للجزئيات، ولا يمكن أن تخدعه التفاصيل وتُشتت الإجراءات بصره، أو تذهل بصيرته وتشغل قلبه. فقد تشكَّل وعيه بما لا يقال؛ فلم يَفْتِنهُ شيء مما يقال. هذه المعرفة دون غيرها قد تُغذي الإيمان، تارة أخرى؛ فتُنَمِّيهِ. أما ما عداها من المعارِف التفصيليَّة السطحية؛ فتسجِنُ الإنسان في التفاصيل الإجرائية؛ ليدور في دائرة مفرغة من العبث الأفقي، ولو حداه وهْم السيطرة على هذه الجزئيات، المتناثرة بلا رابط أعلى متجاوز لها ولوجودها المادي الثقيل.

ولهذا السبب، فعندنا أن أيَّة معرفة، سوى ما يبدأ باسم الله؛ هي مجرَّد ضلال وتوهُّم للمعرفة، وتشوش للذهن، وقسوة في القلب؛ ولو تسيَّد بها الضالُّ على من هو أضل منه.

وربما تَجِبُ هنا وقفة لبيان ما نقصده بـ"المعرفة باسم الله". إذ هي لا تعني "التأصيل الفقهي" للمعارف الإنسانيَّة، ولا "أسلمة" المعرفة الغربية؛ بل تعني حُسن امتلاء قلب السالك بالله، والعناية الكثيفة بتجسُّد أوامره فيه، وانطباعها في صفحته، وذلك بعد تخليته من الأيديولوجيات والسوى؛ فيأخذ ويدع، ويقبل وينبذ؛ مجتهدا باسم الله مُبتغيا وجهه، لا يحدوه إلا رغبة حارَّة صادقة في الاضطلاع بوظيفته الأولى والأخيرة، التي ابتعث في هذا الوجود لأجلها كمسلم؛ وهي: البلاغ عن حضرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

إن هذه النية الجارِفة وحدها، متى خَلُصَت مع هذا المنطَلَق؛ تكفي إن شاء الله لتستقيم بها كل المعرفة، ويصلُح بها كل العمل؛ طمعا في مرضاة الله. بل إنها تكفي لاستقامة الكون بأسره، تصديقا لحديث حضرة سيدي المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم: "إنَّ في الجَسَدِ مُضْغَة، إذا صَلَحَتْ؛ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ؛ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ"(1).

أمر أخير يجب التنبيه عليه صراحة؛ فربما أفاد منه أهل الفكر والنظر: أن هذا الوجدان، وهذا الامتلاء الروحي والقلبي، وهذا التجسيد الصادِق للأخلاق والأوامر الإلهيَّة؛ هو بحد ذاته منهج النظر، وأداة التفكيك والتركيب، والإطار الذي يُعاد في داخله بناء الأنساق المعرفيَّة- الحركيَّة الجديدة، وإن لم يكن صاحبها واعيا بتفاصيلها النظريَّة الدقيقة. إنه ليس مُجرَّد "وعيٍّ" نظري بارِد، وإنما هو نفخة من روح البارئ تقدَّست أسماؤه. والحمد لله رب العالمين.

_________
(1) رواه مسلم من حديث النعمان بن بشير، وهو حديث جامع لكل خير؛ قال: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يقولُ، وأَهْوَى النُّعْمانُ بإصْبَعَيْهِ إلى أُذُنَيْهِ: "إنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ، وإنَّ الحَرامَ بَيِّنٌ، وبيْنَهُما مُشْتَبِهاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وعِرْضِهِ، ومَن وقَعَ في الشُّبُهاتِ وقَعَ في الحَرامِ؛ كالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فِيهِ. ألا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمى، ألا وإنَّ حِمَى اللهِ مَحارِمُهُ. ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَة، إذا صَلَحَتْ؛ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ؛ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي القَلْبُ"، صدق حضرة سيدي صلى الله عليه وآله وسلم.