ملفات وتقارير

بمثل هذا اليوم: انتهاء الحرب الباردة ونشوء "عالم جديد" (طالع)

تدشين لسلسلة أحداث متسارعة انتهت بتفكك الاتحاد السوفييتي، بل وتحول روسيا نفسها إلى دولة رأسمالية- أرشيفية

شهد العالم في الثالث من كانون الأول/ ديسمبر عام 1989 إعلانا رسميا ببدء تشكل "نظام عالمي جديد"، قائم على تفرد الولايات المتحدة بالهيمنة على الساحة الدولية، ما شكل صدمة عالمية على مختلف الصعد.

ففي ذلك اليوم، أعلن كل من الرئيس الأمريكي، آنذاك، جورج بوش الأب، والزعيم السوفييتي، ميخائيل غورباتشوف، عن انتهاء الحرب الباردة.

ورغم استمرار آثار تلك "الحرب" خلال العامين اللاحقين، إلا أن الإعلان كان بمثابة تدشين لسلسلة أحداث متسارعة انتهت بتفكك الاتحاد السوفييتي، بل وتحول روسيا نفسها إلى دولة رأسمالية.

وبعد أسابيع قليلة على انهيار جدار برلين، ومن على متن السفينة السوفييتية "مكسيم غوركي"، قبالة سواحل جزيرة مالطا، التي كانت تعد "دولة محايدة"، أعلن بوش وغورباتشوف عن انتهاء الحرب الباردة، والبدء برفع "الستار الحديدي" الذي يفصل الشرق عن الغرب.

ووُصفت تلك القمة بأنها الأكثر أهمية منذ عام 1945، عندما اجتمع كل من رئيس الوزراء البريطاني، وينستون تشرتشل، والزعيم السوفييتي، جوزيف ستالين، والرئيس الأمريكي، فرانكلين روزفلت، في "يالطا" بشبه جزيرة القرم، للاتفاق على وضع أوروبا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، مع وصول قوات الدول الثلاث إلى أبواب برلين.


وتستعرض "عربي21" تاليا أبرز محطات الحرب الباردة، التي كانت نتاج نظام "ثنائي القطب"، أفرزته الحرب العالمية الثانية.

"فقدان الثقة"


لم يلبث أن فقد السوفييت والأمريكيون الثقة المتبادلة رغم تحالفهم ضد ألمانيا النازية، فقد اتخذ كل طرف خطوات أثارت حفيظة الآخر، خلال الأسابيع اللاحقة لمؤتمر "يالطا"، وذلك قبل أن تنتهي الحرب العالمية الثانية.


وأثار "تدخل" موسكو بالوضع السياسي في دول أوروبا الشرقية حفيظة واشنطن والغرب عموما، فيما تسببت وفاة روزفلت وقدوم "هاري ترومان" إلى البيت الأبيض، بعد شهرين من مؤتمر يالطا، بتعميق الفجوة بين الجانبين، إذ جاءت طبقة سياسية جديدة لحكم الولايات المتحدة لا تنتمي لمرحلة الحروب العالمية.

 

وتفاقم ذلك إثر إخطار ترومان ستالين بامتلاك قنبلة نووية، ثم استخدامها بالفعل في اليابان، مرتين، خلال آب/ أغسطس.

 

 

اقرأ أيضا: هؤلاء هم "صانعو القيصر" الأقوياء في روسيا (ملف)

 

من حليف إلى عدو


انتهت الحرب العالمية الثانية رسميا في الثاني من أيلول/ سبتمبر 1945، ولم يلبث "الحليفان" أن تحولا إلى خصمين خلال أيام فقط من ذلك التاريخ، إثر كشف موظف في السفارة السوفييتية لدى كندا عن وجود شبكة تجسس لصالح موسكو في كل من كندا والولايات المتحدة.

 

ونهاية ذلك العام، بدأت أول مواجهة بالوكالة بين الجانبين، حيث دعم السوفييت جمهوريتين مواليتين لها في شمال إيران (جمهورية أذربيجان الشعبية، وجمهورية مهاباد الكردية)، فيما دعم الغرب طهران ممثلة بنظام الشاه لـ"استعادة السيادة على أراضيها"، وانتهى الأمر بنصر حاسم للأخيرة، وهو مشهد تكرر في العديد من الدول والمناطق حول العالم على مدار العقود التالية.

 

وفي آذار/ مارس من العام التالي، ظهر لأول مرة مصطلح "الستار الحديدي"، وكان تشرتشل أو من استخدمه لوصف إجراءات موسكو لعزل التكتل السوفييتي عن بقية العالم، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

 

حصار برلين

 

أولى الأزمات الدولية الكبرى في إطار "الحرب الباردة" بين القوتين العظميين، سلطت الضوء على اختزال ألمانيا لمشهد الحرب الباردة، حيث تقاسم الحلفاء أراضيها، بما في ذلك العاصمة، رغم وقوعها في عمق الأراضي الشرقية الخاضعة للسوفييت.

 

وقعت الأزمة بين عامي 1948 و1949، عندما فرض ستالين حصارا بريا على برلين، على خلفية إصدار الولايات المتحدة وبريطانيا عملة "المارك الجديد" في المناطق الخاضعة لهم من ألمانيا، بما في ذلك الشطر الخاضع لهم من العاصمة، ما تسبب بأزمة اقتصادية في الشرق.

 

واشترطت موسكو عدم تداول المارك الجديد في برلين مقابل إنهاء الحصار، لكن الولايات المتحدة وحلفاءها أقدموا على كسره عبر تسيير جسر جوي لم ينقطع طوال تلك الفترة، ولم يتمكن ستالين من وقفه، لإمداد سكان برلين بالمستلزمات الأساسية، وهو ما أحرج السلطات السوفييتية ودفعها إلى فك الحصار أخيرا.

 

 

 

حروب طاحنة

 
لم يتواجه الأمريكيون والسوفييت في حرب ساخنة طوال تلك العقود، لكن كلا منهما خاض حروبا مباشرة ضد حلفاء الآخر، وبدأ ذلك بالحرب الكورية (1950- 1953) التي قاتل فيها الغرب ضد الشيوعيين المدعومين من بكين بشكل مباشر، وموسكو بشكل غير مباشر، وصولا إلى انقسام شبه الجزيرة بين شمال وجنوب.

 

وفي المقابل، تورط الاتحاد السوفييتي بحرب طاحنة في أفغانستان (1979- 1989)، دعم خلالها الأمريكيون وحلفاءهم بما عرف وقتها بـ"المجاهدين"، الذين تمكنوا من إلحاق هزيمة بموسكو شكلت بداية نهاية نظامها الشيوعي.

 

ولعبت الأسلحة الأمريكية المتقدمة، ولا سيما قاذفات "ستنغر" أرض- جو المحمولة على الكتف، دورا كبيرا في قلب المعادلة على الأرض، والتي كانت تفرض بالفعل تحديات على السوفييت بحكم طبيعة أفغانستان.

 


 

أزمة الصواريخ الكوبية

 
أو أزمة الكاريبي كما يسميها الروس، وقعت عام 1962، وكادت أن تؤدي إلى حرب نووية بين القوّتين.


فشلت محاولة أمريكية بداية ذلك العام لإسقاط النظام الشيوعي في كوبا، ليشرع الأخير بالتعاون مع الاتحاد السوفييتي ببناء قواعد سرية تشكل منصات لإطلاق صواريخ متوسطة المدى، تهدد أغلب مساحة الولايات المتحدة.


وفي الواقع، فقد كانت تلك الخطوة رد فعل على نشر الغرب صواريخ في كل من بريطانيا وتركيا وإيطاليا، بين 1958 و1961، جعلت موسكو مهددة بأكثر من 100 صاروخ قادر على حمل رأس نووي.

 

 

وتطور التوتر بين الجانبين إثر اكتشاف طائرات تجسس أمريكية للمخطط السوفييتي في كوبا، وبات الجانبان على وشك الدخول في حرب مدمرة تطال أجزاء مختلفة من العالم، قبل أن يتوصلا إلى خفض للتصعيد.

 

وقضت التفاهمات بأن تسحب موسكو صواريخها من كوبا، وأن تقوم واشنطن بالأمر نفسه في تركيا وإيطاليا، ويتم إنشاء خط "نووي" ساخن بين القطبين.

 

سباقات التسلح وغزو الفضاء

 
ارتبطت الأحداث اليومية طوال سنوات الحرب الباردة بالمنافسة بين الغريمين على مختلف المستويات، ورافق ذلك ازدهار لأدوات الترويج والإعلام.

 

ولم تكن المنافسة على عدد الميداليات الذهبية والبطولات الرياضية التي يحصدها كل طرف أمرا مؤذيا، لكن الصراع بينهما في ميادين أخرى جعل كل إنسان على الكوكب معرضا للخطر.

 

وبدأ السباق المحموم بين البلدين، بشكل خاص، على امتلاك أكثر الأسلحة قدرة على الفتك والتدمير، منذ إلقاء القنبلتين النوويتين على هيروشيما وناغازاكي عام 1945، ولم يتوقف حتى توقيع عدد من الاتفاقيات والمعاهدات المقيدة للتسلح نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات، ومن أهمها اتفاقية "القوات المسلحة التقليدية في أوروبا".

 

وفي مجال الفضاء، كان الاتحاد السوفييتي أول دولة تتمكن من إرسال قمر اصطناعي إلى مدار حول الأرض، وذلك عام 1957، وأول رائد فضاء إلى خارج الغلاف الجوي، عام 1961، وحافظت على التفوق وتحقيق إنجازات متتالية خلال الأعوام اللاحقة.

 

لكن الكفة بدأت تميل لصالح الأمريكيين بعد عام 1969، عندما تمكنوا من إرسال أول رحلة مأهولة إلى القمر، واضطر الروس للاعتراف بذلك، لتبدأ مرحلة التعاون في الاكتشافات الفضائية بين الجانبين رغم العداء المستمر.

 

 

ورغم انهيار الاتحاد السوفييتي، مطلع التسعينيات، إلا أن روسيا الحديثة، التي عانت من صدمات اقتصادية واجتماعية وسياسية في مخاض التحول، حافظت على وضع متقدم في "النظام العالمي الجديد"، إذ لا تزال أكبر دولة في العالم من حيث المساحة، وتمتلك أكبر ترسانة نووية، وتحتفظ بعضوية دائمة بمجلس الأمن، وتتحكم في سوق الطاقة بأوروبا.

 

كما أن البلاد تتمتع بأهمية كبيرة في إطار المعادلة العالمية الجديدة، المتمثلة بالمنافسة بين الولايات المتحدة والصين الصاعدة، لكنها تواجه في الوقت ذاته تحديات كبيرة، تفاقمها أزمة غياب المؤسسية في الحكم، ما يجعلها عرضة لأخطار قد تصل حد تفكك آخر.