كتب

القرآن والمنهج التفكيكي.. من ضيق المعنى إلى اتساع الفهم

الباحث التونسي ناجي الحجلاوي يقدم قراءة في مناهج تفسير القرآن الكريم- (عربي21)

الكتاب: "محدودية المناهج في كتب التفسير"
المؤلف: د. ناجي الحجلاوي
الناشر: دار القلم للنشر والتوزيع
الطبعة الأولى: كانون الأول (ديسمبر) 2020


لا غرو أن يُلفت النّاظرَ في المدوّنة التّفسيرية التّهافت المهول في مكوّناتها وعناصرها، ذلك أنّ علوم القرآن لا تعدو أن تكون سوى مُنتج عقليّ وثمرة المحاورة بين النّص والعقل، وحَسْبُ التّراث أن يمدّنا بمادّة نتخذّها منطلقا للبحث والتّمحيص في ضوء ما حقّقته المعرفة الإنسانيّة من تقدّم. فما إن يتناول الدّارس هذه المادّة التّراثيّة بمناهج مستحدثة حتّى تتراءى له نتائج مغايرة لما توصّل إليه السّلف. 

هكذا تتطوّر الحركة العلميّة إذ هي مرتبطة، أساسا، بعامليْن اثنيْن: إمّا التّجديد في مستوى طريقة التّناول وهو المنهج وإمّا الإتيان بموضوع جديد. ولعلّ دراسةً حضاريّة لقضايا التّفسير، تحتاج إلى الاتّكاء على الجوانب اللّغويّة لإبراز أكبر درجة ممكنة من الموضوعيّة باعتبار أنّ اعتماد المدخل اللّغوي في دراسة القرآن يبقى الطّريقة الأقلّ ذاتيّة وأقل إسقاطا.

وإذا كانت للّغة مسائل وقضايا وتشعّبات منجرّة عن تفرّع أجزائها وارتباطها بالفكر والتّحولات الاجتماعية، فإنّ التّفسير هو الآخر عالم متشعّب الأطراف بما احتوى عليه من قضايا الإيمان والعقائد والتّشريعات في أشكال متنوّعة: أنباء وأخبار وقصص وأقوال بأساليب مباشرة وغير مباشرة. فكيف بأداة في العمل مليئة بالأسئلة والإشكالات أن تحلّ قضايا موضوع لا يقلّ عنها تشعّبا وتعقيدا؟

ولئن عُدّ الزمخشري، صاحب كتاب "الكشّاف" وأبو الحسن الرمّاني، مؤلف "التفسير" والفرّاء والزّجاجي من أهم من أسس للمدخل اللغوي في علوم التفسير، وإن مثّل جلال الدّين السيوطي مؤلف "الدر المنثور في التفسير بالمأثور" وابن كثير مؤلف "تفسير القرآن العظيم"، أبرز أعلام مدرسة الآثار والأخبار، وإن لمع في مدرسة العقل (النظر) إبراهيم النظّام والجاحظ، فإنهم على اختلاف اتجاهاتهم فهم يعتمدون اللغة بطريقة واحدة تقول بالترادف في اللغة. في حين أن اللسانيات الحديثة تقول بأن القرآن لا ينطبق عليه الترادف وتقول بالفروق المعنوية بين الألفاظ وإن كانت دقيقة وهو ما يحيل على أن الفعل التفسيري التقليدي عاجز عن كنه المعاني والدلالات الكامنة في النص القرآني.
 
في هذا الباب يتنزل مؤلف الدكتور ناجي الحجلاوي، أستاذ وباحث تونسي بمعهد الحضارة بجامعة الزيتونة، المعنون بـ"محدودية المناهج في كتب التفسير، الصادر عن دار القلم، الذي يمثل محاولة جادّة تفتح نوافذ بحثية تدفع إلى مزيد التساؤل عمّا أعتبر مسلّمات في التراث التفسيري. هذه اللبنة جزء من تراكم اجتهادي مقاصدي بدأه سالم بوحاجب أبو القاسم الشابي ومحمد الطاهر بن عاشور والطاهر الحداد، وكلهم سليلو المدرسة الزيتونية.

إنّ هذا المصنّف الحامل لعنوان "محدودية المنهج في كتب التّفسير"، يروم الاهتمام بمفهوميْن أساسييْن في كتب التّفسير هما: مفهوم التّرادف ومفهوم الإعجاز لما يتميّزان به من أهميّة في تحديد الوعي الدّيني وما آل إليه من ضبابيّة وعموميّة يُشجّعان على التّقليد والرّضا بما قاله السّلف. 

نتائج البحث

ينتهي د. ناجي الحجلاوي إلى أنّ سؤال المنهج في قراءة المُصحف هو الحلقة الأكثر صلابة واستعصاءً على الذّهن المباشر لهذا النّصّ، معتبرا التّعويل على الأدوات المنهجيّة القديمة هو الّذي ساهم مساهمة فعّالة في قتل المعنى وتجميد الوعي الدّينيوإبعاده عن عتبات الحياة المعيشة، ممّا يساهم في عزل  أصحابه وإقصائهم من حياة النّاس وواقعهم.

يعتبر الحجلاوي أنّ "الوعي القديم ليس من جنس الوعي الجديد. وأدوات المعرفة ليست هي هي. وأسئلة العصر ليست هي أسئلة الماضي. علما بأنّ المعرفة هي رهينة الأدوات الّتي تنتجها. وعليه فإنّ كلّ من أعاد استخدام أدوات المعرفة الّتي كانت في زمن ما فإنّه لا ينتظر إلّا الحصيلة ذاتها". 

 

إنّ النّصّ القرآنيّ يمثّل، في حدّ ذاته، كينونة مستقلّة. فهو نظام من المعاني، يفصح عن نفسه، وضمنه آيات مفهوميّة، وهي الّتي تتضمّن مفاهيم وتصوّرات إزاء الإنسان والله والمصير. وأخرى آيات مصداقيّة، وهي الّتي تتضمّن إشارات إلى الواقع المحيط بظرفية التّنزيل.

 



ومن هذا المضيق توجّب على أصحاب النّظر، أن يساهموا في استنباط أدوات معرفيّة جديدة تنسجم مع الغاية الأساسيّة الّتي نُزّل القرآن من أجلها وهي التّدبّر وإعمال التّفكّر في القيل القرآني. ومصداق ذلك بادِ في قوله تعالى في سورة ص: "كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ". وكذلك في قوله تعالى في سورة محمّد꞉" أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍأَقْفَالُهَا".

وليس خافيا أنّ صيغة الفعل المتعلّق بالتّدبّر قد وردت في صيغة الجمع المنفتح على كلّ عقل وعلى كلّ فرد. ولعلّ أهمّ ما يبدأ به الدّارس هو تشخيص الأعطاب المنهجيّة الموروثة، حتّى إذا اتّضحت الأرضيّة النّظريّة القديمة وشُخّصت عيوبها، تسنّى للمرء أن يؤسّس نظرا مخالفا ومتطوّرا يُساهم في تأسيس إطار نظريّ جديد بإمكانه إنتاج ثقافة جديدة تنهض على بلورة علاقة جديدة بالنّص القرآني كي ينتقل من حالة الجمود إلى حالة الحياة.

أعطاب المنهج التّقليديّ في التّفسير

لئن تعدّدت أعطاب المنهج التّفسيري الموروث في فهم المُصحف، فمسّت أغلب مداخله كأسباب النّزول والنّاسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والخاصّ والعامّ، فإنّ هذا المصنّفقد اكتفى بأهمّ الأعطاب الهيكليّة الكامنة وراء ركود الفكر الدّيني الحالي، باعتباره امتدادا للوعي الدّيني الموروث وباعتبار غياب ما يجعله يمُتّ بصلة إلى واقعنا المعاصر. ولعلّ من أهمّ هذه الأعطاب نذكر ما يتعلّق بظاهرة التّرادف من إشكال وما يُثيره اعتماد الشّعر مدخلا لفهم القرآن وما تتسبّب فيه السّياسة من تشويه للمعاني الدّينيّة وما يُمكن للإعجاز أنْ يُلحقه من سلبيّة في كيفيّة التّعاطي مع القيل القرآني.

القول بالتّرادف

نزل الوحي في سياق ثقافي مخصوص وإذ تطوّر هذا السّياق بتقدّم الزّمن فإنّ المسألة اللّغويّة كانت محلّ تجاذب ونقاش حاد بين الرّأي وضدّه، فصرنا أمام مدارس لعلّ من أهمّها مدرسة الكوفة ومدرسة البصرة ومدرسة بغداد وغيرها كثير. ورد في لسان العرب أنّ فعل ردف يعني: "ما تبع الشّيء وكلّ شيء تبع شيئا فهو ردفه وإذا تتابع شيء خلف شيء فهو التّرادف والجمع الرّدافى. ويُقال جاء القوم رُدافى أي بعضهم يتّبع بعضا". قال تعالى: "إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ".

ومن هذا التّعريف يتّضح أنّ التّرادف يعني التّقارب في المعنى بين لفظيْن أو أكثر دون أنْ تُصبح هذه الألفاظ شيئا واحدا. وقد كانت مسألة التّرادف محلّ تنازع بين مدرستيْن꞉ الأولى تقول بالتّرادف. والثّانية تقول بعدم التّرادف في اللّغة. وصدى هذه المعارك بادِ في الكتب اللّغويّة. وقد أشار إليها الرّمّاني في كتابه الموسوم بـ "الألفاظ المترادفة المتقاربة المعنى". وحجّة نُفاة التّرادف هي أنّ الشّيء له اسم واحد وبقيّة الأسماء هي مجرّد صفات تدور حول هذا الاسم.

ولمّا كان أهل اللّغة فريقين بإزاء قضيّة التّرادف، فمنهم القابل بها، ومنهم الرّافض لها، فإنّ مردّ هذه القضيّة يعود إلى الخلط بين الاسم وصفاته. وقد سلفت الإشارة إلى أنّ ابن خالويه لمّا قال: إنّي أحفظ للسّيف خمسين اسما، قال أبو عليّ إنّه لا يحفظ له إلاّ اسما واحدا وهو السّيف، فردّ ابن خالويه: فأين المهنّد والصّارم وكذا وكذا؟ فقال أبو عليّ: هذه صفات، فاعتُبر من ذلك أنّه لا يفرّق بين الاسم والصّفة. والمهمّ أنّ الثّقافة الّتي سادت في الحضارة الإسلاميّة كانت معتمدة على القول بالتّرادف. وهو السّبيل الأيسر بالنّسبة إلى الأذهان. فصِرتَ تجد للسّيف سبعين اسماً وللكلب كذلك وللأسد مثل ذلك أو أكثر. وقِس على ذلك ما بدا في المناظرات العديدة والمناظرة المذكورة، آنفا، تمثّل مجرّد نموذج منها.

إنّ أهمّ ما يميّز الثّقافة القائمة على التّرادف هو عدم الدّقّة، وقلّة الضّبط وعدم الوقوف على الفويْرقات المعنويّة بين الألفاظ فساد التّعميم، واتّجه التّفكير إلى التّساهل في فهم الأمور بالرّغم من التَّباعد الصّوتي بين الألفاظ الّتي اعتُبرت مُترادفة، فضاعت الدّقة الّتي عمد إليها الخطاب القرآني إبرازا لمصدره الإلهي ولقد تميّز الوحي برمزيّة خاصّةٍ بدت في ضرب المثل. 

وقد أشار الله تعالى في سورة العنكبوت إلى أنّ هذا الخطاب لايعقله إلّا العالمون. في قوله تعالى: "وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَايَعْقِلُهَا إِلَّاالْعَالِمُونَ". فالتّرادف الّذي يعني تقارب الدّلالة بين لفظيْن كما سلفت الإشارة إليه تحوّل بحكم الممارسة الثّقافيّة المتساهلة في قبول التّرادف إلى اعتبار أنّ اللّفظيْن قد يتشابهان في الدّلالة إلى حدّ التّماثلوالتّطابق حتّى وإنْ تباعدت الأصوات بينهما وإنْ تغيّرت الألفاظ والمخارج.

تحكيم الشّعر في القرآن

يشير الحجلاوي إلى عطب ثان في منهج قراءة النّصّ القرآنيّ فهو اعتماد الشّعر العربيّ معيارا للفهم. إنّ هذا الاعتماد يعتبر طريقة تجعل الشّعر حَكماً على القرآن. والحال أنّ القرآن قد جاء بأساليب لم تكن معروفة عند العرب وتحدّاهم بها. ولقد وقف القرآن موقفا مضادّا للشّعر في سورة الشّعراء ممّا يدلّ على أنّ القطيعة ضاربة في أدوات المعرفة بين نوعيْن من الأنشطة الذّهنيّة. إنّ المسألة متناقضة تماما، ففي القرآن تغيب المبالغات والكذب والتّرادف، وفي الشّعر يتمّ الاعتماد الكلّيّ على ذلك. وفي الشّعر خيال وفي القرآن حقّ. والشّعر أرضيّ والقرآن سماويّ. 

وقد استعان المفسّرون الأوائل بالمعجم العربيّ الوارد في الشّعر لفهم مجمل الألفاظ الصّعبة في الخطاب القرآني، وهو ما يحيل على صعوبة منهجيّة تتمثّل في القدرة على التّمييز بين بعض الاستعمالات الشّعريّة الّتي هي على الحقيقة وبعضها الآخر الّذي هو من قبيل التّوسّع.

 

في القرآن تغيب المبالغات والكذب والتّرادف، وفي الشّعر يتمّ الاعتماد الكلّيّ على ذلك. وفي الشّعر خيال وفي القرآن حقّ. والشّعر أرضيّ والقرآن سماويّ.

 



إنّ حصر الإعجاز التّراثي في المجال البلاغي هو الشّجرة الّتي غطّت الواحة بأسرها، إذ أنّ المضمون الّذي جاء به القرآن، هو المحتوى المعرفي الخارق لما كان سائدا من المعارف حيث القول الثّقيل. والأصوات المتضمّنة للمعاني لا ثقل فيها على السّامع.وإنّما المعاني والدّلالات هي الّتي تتميّز بالثّقل والاتّساع كمّا وكيفا ومسؤوليّة. قال تعالى: "إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا". ومن ثمّ تغيّرت الرّؤى إلى الله والكون والذّات. وفي هذا الإطار يتنزلّ ما أشار إليه هشام جعيّط من أنّ꞉"القرآن لم يكن يعكس تطوّرا ثقافيّا لدى العرب، بقدر ما جاء لرفع مستوى ثقافتهم".

لقد فرّق الخطاب القرآني بين الحقّ والباطل وقدّم تفسيرا جليّا للوقت والزّمن والخلق، والأرض والسّماء، والدّنيا والآخرة، والجنّة والنّار، والخير والشّر. وأنبأ بالغيب وأفاء بالأخبار. ثمّ إنّ حصر الإعجاز القرآني في المستوى البلاغي واللّغوي، يجعل هذا الإعجاز خاصّا بالعربي وموجّها لمن يفهم هذا اللّسان دون غيره. وهذا الأمر يتعارض رأسا مع عالميّة الرّسالة وكونيّتها وصلاحها لكلّ زمان ومكان. إنّ الرّوايات الّتي حُبكت في الموروث عامّة والدّيني خاصّة، حادت في كثير من الأحيان عن المعنى المحقّق لقداسة النّص القرآني ومصدره الإلهي. فكما تعلّقت بالمعلّقات مرويّات عديدة وجعلت منها سبعا أحيانا وعشرا أحيانا أخرى. فكذلك المرويّات المتعلّقة بالأحرف جعلت منها سبعة حينا وعشرة حينا آخر وأكثر من ذلك أحيانا أخرى. 

في محدودية العقل الإعجازي العربي 

هل الانفتاح على مناسبات القول وأسباب التّنزيل والظّروف الحافّة بالوحي يُعدّاستنقاصا للحقيقة الكامنة فيه، وحينئذ يُلحق الضّيم بما يُنجزه من تفسير؟ أم أنّ الاستعانة بكلّ ذلك يُعدّ عامل إثراء وتوضيح للمعاني المستفادة؟ وانطلاقا من هذا المنهج اللّغوي في التّفسير، تصبح غاية المرام هي محاولة الوقوف على المقصد الكامن في النّص من خلال سنن اللّغة العربيّة. ولعلّ من مزايا هذا المنهج، هو الإضعاف من منسوب الوعي المذهبيّ كالّذي نجده عند أصحاب المقالات وزعماء الفرق الدّينيّة في تناولهم للتّفسير والتّأويل.

إنّ النّصّ القرآنيّ يمثّل، في حدّ ذاته، كينونة مستقلّة. فهو نظام من المعاني، يفصح عن نفسه، وضمنه آيات مفهوميّة، وهي الّتي تتضمّن مفاهيم وتصوّرات إزاء الإنسان والله والمصير. وأخرى آيات مصداقيّة، وهي الّتي تتضمّن إشارات إلى الواقع المحيط بظرفية التّنزيل. وهو كتاب مطلق في مستوى هذه الكينونة. ولكنّه نسبيّ في مستوى فهمه لأنّ العقل الذي يحاوره يتأثّر بالسّقف المعرفيّ السّائد والحافّ بكلّ قراءة. وأمّا أن تُؤبَّدَ قراءةٌ واحدةٌ لهذا النّصّ، فهو أمر لا يحتمله الوعيُ البشريّ المتحوّل والدّائم في تغيّره. 

 

إنّ حصر الإعجاز القرآني في المستوى البلاغي واللّغوي، يجعل هذا الإعجاز خاصّا بالعربي وموجّها لمن يفهم هذا اللّسان دون غيره. وهذا الأمر يتعارض رأسا مع عالميّة الرّسالة وكونيّتها وصلاحها لكلّ زمان ومكان

 



ومن هذا المنطلق، يلحظ الدّارس أنّه حين يقيم علاقة مع النّصّ المطلق، فإنّه يقيمها من حيث هو، بوصفه دارساً، لا من حيث المعطى النّصّيّ، إذ النّصّ صامت ولكنّ الرّجال هم الذين يُنطقونه، على حدّ عبارة علي بن أبي طالب. ولا من حيث علاقة النّصّ بصاحبه فذلك مقصد مستبعد إدراكه على الوجه الّذي أراد.ومن المفيد للدّارس أن يُلمَّ بأغلب منابع التّفكير الدّيني لدى القدماء.

وإزاء هذا الصّراع المحتدم، تولّد وعي منهجيّ في فهم النّصّ القرآنيّ عماده الجوانب اللّغويّة والمنازع العقليّة، فتشكّلت قضايا عديدة من قبيل عربيّة القرآن وإعجازه.

القراءات المعاصرة للنص القرآني وتحديات التقليد

تتضافر في مجال القراءات المعاصرة المتعلقة بالنص القرآن جهود كثيرة لعلّ أهمها كتابات محمّد أركونومحمّد عابد الجابري في مؤلّفه " مدخل إلى تفسير القرآن" وكتاب الطيب تيزيني "في النص القرآني" وكتب حسن حنفي وكتب نصر حامد أبو زيد ومؤلفات محمد أبي القاسم الحاج حمد ولاسيّما كتابه "منهجية القرآن المعرفيّة" وكتب محمّد شحرور ومحمّد الطّالبي وهشام جعيّط، إلا أنّ التحدي الأكبر أمام تجديد العقل العربي الاسلامي يظلّ ماثلا في سلطة التقليد والثبات على المنتج العلمي القديم ممّا يدعو الباحث إلى التساؤل التالي: ما الذي يتضمّنه التراث من قوّة معنويّة تجعله ثابتا ومكبّلا لكلّ نفَس تجديدي مقاصدي في آن واحد؟

لقد صدق الظنّ على القائمين على الضّمير الديني أنّ العلوم اللّغوية قد بَلغت أوجها مع علماء السّلف. وأنّ أهمّ إعجاز جاء به القرآن إنّما هو الإعجاز اللّغوي معتبرين أنّ لغة القرآن هي التّي نظَم وفقها الشّعراء أشعارهم وقال النّاثرون نثرهم وهي التّي وصفها سيبويه، وقد فاتهم أنّ الطريقة التّي جرت بها اللّغة القرآنيّة ليست مطابقة تمام المطابقة للاستعمال العربي إن في الشّعر أو في النّثر. 

فمن الآيات القرآنية ما تجري المثنّى على أنّه جمع وتعطف المنصوب على المرفوع وتعامل المؤنّث على أنّه مذكّر في مخالفة صريحة لقواعد النّحو والصّرف المألوفة، ومثال ذلك:"إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰابِـونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْآخِرِ وَعَمِلَ صَالحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ"سورة المائدة الآية 69. "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ" سورة الممتحنة الآية 12."هذان خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ" سورة الحج الآية 19 وغير ذلك كثير. إنّ أهم ملمح للإعجاز يبدو في أنّ الفضاء اللّغوي قد رسم بشكل لا يتعارض مطلقا مع المنجزات العلمية المتتالية على اختلاف الأمكنة والأزمنة وهو ما لا يتوفّر عليه نصّ آخر. وهذه السّمة تنسجم انسجاما تامّا مع تشجيع القرآن على السّير في الأرض للنّظر في كيفيّة بدء الخلق والاستزادة من العلوم.