قضايا وآراء

بين المعارضة المصرية واللبنانية

1300x600
بعد المرحلة العصيبة التي انقلبت فيها أحلام العرب من الحلم بالتحول الديمقراطي إلى الاستيقاظ على دول أكثر ديكتاتورية بعد نجاح الثورات المضادة في أغلب دول الربيع العربي، تاهت المعارضة بين مقتول، ومسجون، وهارب ويائس. كانت الثورة المضادة الأشرس والتي استتب لها الأمر تماما هي المصرية، حيث لا مكان للاعتراض داخل البلاد وأي اعتراض من الخارج قد يعرض أقراب المعارض أو الناشط لخطر الاعتقال والتعذيب.

في هذا المشهد الضاغط، تاهت المعارضة الناجية في دول الشتات ولم تستطع أن تجمع رأيها لمقاومة الديكتاتورية المتجددة، بخاصة بعد تصفية واعتقال قسم كبير من المعارضين، ناهيك عن الخلافات الداخلية داخل أحزاب المعارضة نفسها والتي كان أبرزها الانقسام الحاد داخل جماعة الإخوان المسلمين، الفصيل المعارض الأبرز في مصر.

عندها وبغياب المعارضة المنظمة الحقيقية، انحصرت المعارضة في الإعلام والعالم الافتراضي، فكان أول مطالب النظام المصري من تركيا بعد التقارب الأخير هو تليين خطاب الإعلام المصري المعارض الذي يتمركز في تركيا، وهو ما كان.

سريعا أتى الاختبار الأول لتلك القنوات مع حوادث أليمة متلاحقة أصابت مصر في مختلف قطاعاتها. ففي غضون أيام شهدت مصر حادث قطارات مؤسف في سوهاج خلّف عشرات القتلى والجرحى، تبعته حادثة توقف حركة الملاحة في قناة السويس جراء انحراف سفينة الشحن العملاقة "إيفر جيفن" عن مسارها في جنوب القناة ما أدى لغلق القناة بالكامل قبل إعادة تعويم السفينة وعودة الملاحة في الشريان البحري الأهم في العالم بعد ستة أيام من الحادثة. لم تتوقف مصائب مصر هنا، ففي الفترة الزمنية نفسها انهار عقار في منطقة جسر السويس متسببا في وقوع عشرات القتلى والجرحى.

لم يختلف رأي المعارضة في الحوادث التي خلفت ضحايا بشرية من فقراء مصر وصعيدها، فأجمعت المعارضة الإلكترونية والإعلامية على إلقاء اللوم على النظام المصري الذي أهمل تطوير سكك الحديد التي يستقلها آلاف الفقراء يوميا، بينما صب اهتمامه على القصور الرئاسية ومشاريع لم يخرج منها المواطن المصري بشيء.

ولكن الاختلاف وقع حول حادثة قناة السويس التي لم تطل المصريين بشكل مباشر بل طالت الدولة المصرية واقتصادها، فكان رد فعل الإعلام والمعارضين الناشطين من مختلف التيارات السياسية منشطرا بين فئتين بارزتين:

فئة تعتبر أن مثل هذا الحوادث لا تؤثر فقط على النظام العسكري المصري، بل على الدولة المصرية نفسها على المدى البعيد، بخاصة بعد تسارع الحديث عالميا عن البدائل المحتملة لقناة السويس، ما يمكن في حال توفره (ولو بعد عقود) أن يُفقد الدولة المصرية أحد أبرز نقاط قوتها العالمية، فتتضرر بذلك مصر العسكر ومصر ما بعد العسكر لأن أثر ذلك يبقى لعقود.

في المقابل، فئة معارضة أخرى اعتبرت أن الحكم العسكري في مصر لم يعد منفكا عن الدولة المصرية نفسها، وألا سقوط لنظام السيسي إلا بتعثر الدولة المصرية بقوة، ما يمكن أن يدفع القوى الشعبية للانفجار في وجه النظام والقوى الدولية لرفع الغطاء عنه، أو في أسوأ الحالات تنهار سفينة الدولة فينهار معها النظام، فيعاد عندها تشكيل النظام بطريقة تضمن شيئا من الحقوق للمعارضين.

هذه المقاربة لم تختلف في ملفات أخرى حساسة كملف سد النهضة، على الرغم من وجود فوارق بطبيعة الحال بين المسائل المختلفة. وعليه، فان المراقبين أيضا قد انقسموا بين من يعتبر ألا تغيير للنظام المصري إلا بتوحّد المعارضة على رؤية مشتركة لكيفية محاربة النظام وإسقاطه، وآخرين يخالفون الرأي ويعتبرون أن الأمر مستحيل، وأن توحّد المعارضة على رؤية مشتركة للبلاد لن يكون إلا بعد حدوث تغيير ملموس في البلاد يؤدي إلى عودة المعارضين لمصر، أو أقلها خروج المعتقلين وانكشاف شيء من الغمة.

اقتربت هذه الرؤى المعارضة في الآونة الأخيرة من رؤى المعارضة اللبنانية، فانقسمت بين من يدعو لسقوط الدولة على رأس الطبقة السياسية كما رأس المواطنين، وبين من يخاف من الانهيار الشامل ويدعو إلى الإصلاح ولو جزئيا في ظل أي طبقة سياسية كانت، خوفا من الانهيار التام وما يصاحبه ذلك من جوع واقتتال لبناني داخلي.

يمكننا التأكيد على أن إطالة عمر الأنظمة الاستبدادية المباشرة كمصر أو التشاركية الفاسدة المغلقة كلبنان؛ أدى إلى تصلب الرابط بين الطبقة الحاكمة وهيكلية الدولة نفسها، فيصبح انفكاك هذه النخبة السياسية المتسلطة عن الدولة صعب جدا، ناهيك عن ارتفاع منسوب اليأس من الإصلاح بين المعارضين المحاصرين أساسا ويجعلهم بلا أي حيلة. الإشكال هنا أنه يوما بعد يوم تزداد الشريحة المعارضة اليائسة التي تؤمن بأن للتغيير في البلد طريقا واحدا ألا وهو انهيار الدولة بمن فيها، آملين أن يعقب الخراب عمارة بدون هذه الطبقة السياسية الممسكة بكافة مفاصل الدولة.

إن هذه النظرة الخطيرة هي نتاج الاستبداد الشديد الذي عاد أقوى من ذي قبل في الدول العربية، وقلة حيلة المعارضة، ناهيك عن الدعم الدولي المباشر أو غير المباشر لهذه الأنظمة، فيشعر المعارض أن التغيير مستحيل فيحمل عندها الشعار الراديكالي "عليّ وعلى أعدائي".

إن المعارضة وإن لم يكن لها الأثر البارز في المشهد السياسي في الفترة الحالية، إلا أن تحكم هذه العقلية في الطبقة التواقة للتغيير من شأنه أن يعمق الهوة بين أفراد المجتمع الواحد، كما من شأنه أن يوقف أي محاولة للتفكير الجاد في الطريقة الأمثل لتغيير النظام ولو بخطوات بطيئة بدلا من الترويج لليأس، ناهيك عن عدم تشكيل رؤية لما بعد النظام الاستبدادي إذا حصل حادث مفاجئ أدى لتغييره، كما حدث في الثورات العربية.

أخيرا، يجب على المعارضات في كل دولنا أن تدرك عظيم دورها وخطورة يأسها على الشباب والدولة ومستقبلها في آن، إلا أن إلقاء اللوم عليها كأنها المتسبب بما يحدث لهو الظلم بعينه، فمشكلة العالم العربي الرئيسية هي الاستبداد، ويأتي بالدرجة الثانية بطبيعة الحال عقم المعارضة. ولكن الحل سيكون بمعالجة المشكلة الثانية وبث روح واستراتيجية معارضة حقيقية؛ يستطيع الشعب من خلالها مواجهة الدولة العميقة بوعي وبخطوات ثابتة وواثقة ولو بطيئة.