كتاب عربي 21

التنويريون العرب: تحرير القدس بالقلوب الحمراء و"ادعمه"

1300x600
يتبيّن لمن يتابع الخطاب الليبرالي العربي، أنه لم يستطع الهرب من مناصرة أهل القدس وقضية فلسطين. ويسمى أحياناً بالتيار العلماني أو اليساري، وهو مخادع ومتحوّر. هو يحسن خدعاً أخرى، منها اختصار قضية فلسطين إلى بيت في الشيخ جرّاح، أو حي الشيخ جرّاح، وهي أرض وقف لجميع المسلمين، وتجد في مقالاتهم ثناء يكال لأهل القدس بوصفهم بالنبل واليهود بالمتعصبين، بل وصفاً لنتنياهو بالمتعصب والمأزوم، أي أنه مسكين، ويحتاج إلى طبيب نفسي مثل كل القتلة الذين يقتلون المصليّن في المساجد في الغرب، لكن الغرض من هذا العطف، والميلودراما اللفظية، هو القبول بدولة الكيان المتحوِّر والعيش المشترك بسلام وحبٍّ نووي.

- إن الأمر عند هؤلاء التنويريين لا يستدعي إثارة النعرات الدينية والقومية، القول هو: لا يفلّ الحديد سوى الحرير، والنار دواؤها البسكويت.. الحل برأي شيوخ التنويريين العرب هو الانحياز الأخلاقي للحق، وتحذير النخبة الإسرائيلية من اللعب بالنار حتى لا تحترق أصابعهم. هذا كلام يقال في خناقة حفلة عيد ميلاد، وليس في صراع عمره مئات الأعوام بين حضارتين، والحضارتان الإسلامية والبروتستانتية (الأمريكية والبريطانية) تعدّان المكان للحرب الخاتمة.
الحل برأي شيوخ التنويريين العرب هو الانحياز الأخلاقي للحق، وتحذير النخبة الإسرائيلية من اللعب بالنار حتى لا تحترق أصابعهم. هذا كلام يقال في خناقة حفلة عيد ميلاد، وليس في صراع

- يقرُّ الخطاب الليبرالي أنَّ مقدمات هذا السلوك كامنة في نشأة الدولة العبرية ويتذكر أنَّ نشأتها ارتبطت بالثنائية الصعبة بين اليهودية والديمقراطية معاً، فغلبت اليهودية الديمقراطية، من غير أن يشير الخطاب إلى أن الديمقراطية هي لليهود فقط.. ممنوع على العرب ممارسة الديمقراطية بدليل منع الانتخابات المزمع إجراؤها في القدس، ومن غير أن يشير للفصل العنصري والجدران العازلة.

- يعزينا الخطاب بعدم غلبة الديمقراطية في دولة إسرائيل على اليهودية، ويكاد يندب "الشهيد" إسحق رابين، ويكاد يطلب منا أن نقيم له أنصاباً تذكارية في العواصم العربية.. ويكيل الشتائم لتكتل الليكود، وهذا مديح مبطن لحزب العمل، مما أدى إلى استفحال الأجواء الطائفية. ويسخر من ادّعاء نتنياهو أنه أفضل من أخيه بالفظاعة بشار الأسد، يخرب ويهدم لكن تخريبه أقل.. الخطاب يتجنب الإشارة إلى السيسي، وقد يندد به إذا ما احتيج إلى ذلك، أما بشار الأسد وغيره من الطغاة العرب، فقد تولّوا هذه العواصم لبيان جمال هذا الكيان والضد يظهر حسنه الضد.

- يقرّ هذا الخطاب بعدالة قضية عرب القدس، وهذا اختزال واجتزاء لقضية فلسطين، بل إن قضية فلسطين هي قضية عواصم محتلة من صنائع الغزاة، وهذا اجتزاء شائع أيضاً، ويقرّ أن حقوقهم وطنية تتصل بالاحتلال، بل والإبادة لجماعة قومية ولها وشائج برهاب الإسلام، وتتصل أيضاً بقضية سكان أصليين يقاومون سكانا غير أصليين سكنوا وأنجبوا وحدّثوا وبنوا كل هذا المستوطنات "الجميلة"، وزرعوا كل هذه البساتين "الرائعة".

- يهيب خطاب الليبرالية العربية بالأحرار مخاطبة "ظواظ" العالم الحر، والظوظ باللهجة الحلبية هو المخ ويستعار للضمير؛ للتأثير في حكومات الغرب الديمقراطي (الذي بني أيضاً على الدماء والجماجم)، وأن دموعنا "ولايكاتنا" ستؤثر في الظوظ الغربي، بالأفلام الهندية، ويقرّ أن تأثير دموعنا بطيء، لكنه قابل للتطوير - والتحديث - فأمامنا مائة سنة أخرى نكسب ظواظ العالم الحر، ونخترع مقاومة مدنية و/ أو مندية - من المندي - بأدوات تنظيمية يصعب على من لا ينحاز إليها أن ينحاز ضدها. وقد نكسب جوائز أوسكار لفلم الهدية الفلسطيني مثلاً، نعلقها على الجدران العازلة، ونأخذ صورا بجانبها!
الخطاب يتجنب الإشارة إلى السيسي، وقد يندد به إذا ما احتيج إلى ذلك، أما بشار الأسد وغيره من الطغاة العرب، فقد تولّوا هذه العواصم لبيان جمال هذا الكيان والضد يظهر حسنه الضد

بعد أن أجمل الخطاب الأسباب، ووعد بالنصر الآتي من ظواظ العالم (ضرب على الطبول)، يبيّن لنا أن ثمة أمرين يتهددان هذه الصيرورة الواعدة والمزهرة، والمبشرة بالسلام والكعك، هما؛ الصاروخ الذي يأتي من غزة، وصواريخ البلاغة اللفظية من بيروت وضاحيتها وطهران، فهما يصبّان في غلّة المستوطنين، فهما أي حماس وغلاة المستوطنين حلفاء كما يرى هذا الخطاب.

طرفان لن يكسبا القضية، هم المتشددون من كل طرف. المعتدلون هم الذين يكسبون ويأكلون المندي، بل إنَّ الخطاب يندّد بالتجارة بالدم الفلسطيني، فدعونا نحن التنويريين نتاجر به ونكسب به قلوب العالم الحر يا أخا العرب.

- يقرّ هذا الخطاب بأن قسوة العدو حتمية وقضاء وقدر لا مردّ له، لكنه حديث وديمقراطي، وإن أفضل الطرق للوقاية من شرّه، هي القول له: يا سيدي، أو الدموع ولايكات الحب والدببة الحمراء.

- الخطاب التنويري العربي يدغدغ مشاعر كراهية السنّة لإيران بعد فظائعها في سوريا واليمن ولبنان، وتحالف حماس مع إيران، تنفيراً من حماس "المتطرفة".

- يتذكر الخطاب الميلودرامي الليبرالي معاهدة في آخر كوكب الأرض مثل معاهدة ويستفاليا، ويستنكر أي دم يراق من الجانبين، فهو يحبُّ السلام والعيش المشترك والفلافل والكوشير، والدولة العلمانية للجميع والهوت دوغ، وخطاب عمرو خالد: "وما تيجوا نحب بعض"، بل إنه أحياناً يتذكر مسلسل معاهدات الصلح الدرامي الذي توقف وتعطل في منتصف السكة، لكننا "محكومون بالأمل".

ويطالب صراحة باستعادة الحق الفلسطيني بالعواطف الجياشة وحلقات أخرى من مسلسل المفاوضات، ويحذر من تديين الصراع يا أخا العرب.. تديين الصراع يقصي المسيحيين الفلسطينيين، ثم إن هناك طوائف أخرى لم تنل حظها من النضال المدني، ويحق لها الظهور في صلاة التراويح! فلم لا نصلي صلاة إبراهيمية في مكان غير المسجد الأقصى، صحراء النقب مثلا. الدين لله يا أخا العرب، والله ليس بحاجة إلى صلواتنا يا رفيق.
يطالب صراحة باستعادة الحق الفلسطيني بالعواطف الجياشة وحلقات أخرى من مسلسل المفاوضات، ويحذر من تديين الصراع

هناك صابئة وبهائيون في الكرمل، وهناك ملاحدة أيضا، فلا يجوز تديين الخلاف العائلي، أليس لهم حق في النضال والكاست؟ يجب أن نذكر جميع أسماء الكومبارس في الشارة. هذا الخطاب وجدناه في فيلم مملكة السماء.. صلاح الدين "الأيوشي" يلعب كاراتيه ويصيح مثل بروسلي في فلم أكشن وهو يقتل أرناط: يعععععععع. ويُسأل صلاح الدين عن القدس، فيجيب كأنه بطل فلم كاوبوي: لا شيء. ثم يفكر صلاح الدين غير الأيوبي ويقول: كل شيء.

ملاحظات ختامية على خصائص هذا الخطاب: هو خطاب يضع السيف محل الصوت، والصوت محل السيف، باستعارة من قول شهير لعبد الملك بن مروان، ويخلط بين الديمقراطية والحرب، والعلمانية والدين، فيجعل العلمانية ديناً، والحرب انتخابات، والانتخابات عواطف ولايكات، وعندما تقع الحرب يدعو الخطاب الليبرالي العربي إلى استمالة أصوات العواصم الغربية بدم الشعب ودموعه، وكأننا في انتخابات.

يركز خطاب التماسيح البشرية على حكمة إسرائيل، بالمقارنة مع العواصم العربية التي نكّلت بشعوبها، فإسرائيل تحذِّر المدنيين، وتمنح المحذَرين بضع دقائق لاستصحاب وثائقهم قبل تدمير البيت، وتقوم بعمليات جراحية في غزة.. هناك أخطاء فردية ومطبعية، سببها الدروع البشرية يا رفيق.

ينسى الخطاب أنَّ العالم الحر كله قام على جماجم المغلوبين، حتى لم يبق في أمريكا سوى بعض الهنود للتمثيل في أفلام الكاوبوي. يعيّر الخطاب التنويري أردوغان المتقاعس، و يكاد يطالبه بقصف إسرائيل، وهذا يعني الدعوة إلى حرب عالمية.. وهو رئيس منتخب بنسبة 52 في المائة، وهو رئيس مسلم وأعجمي وبعيد عن القدس، بينما الرؤساء العرب منتخبون بنسب كبيرة تبلغ 99 في المائة وقريبون جدا من العدو الحبيب. وأردوغان، أو القانون التركي يسمح بتظاهرات، ولا يسمح الرؤساء الفائزون بتلك النسبة الخرافية بها.

جلد التماسيح سميك جدا ودموعهم من فرم البصل.

twitter.com/OmarImaromar