قضايا وآراء

عندما يخسر تيار "التشبيح" الفلسطيني "قائدا" خسر شعبا

1300x600
غير مستغرب على الإطلاق أن يجتمع "الحزن" الرسمي الفلسطيني في مأتم أحمد جبريل، أمين عام الجبهة الشعبية- القيادة العامة، الذي مات قبل أيام في دمشق.

فالسنوات العشر الماضية كانت كافية لتبديد أي مفاجأة من عيار مواقف الفصائل الفلسطينية بما يخص أولاً الثورة السورية والثورات العربية، وثانيا الموقف مما تعرض له أبناء فلسطين في سوريا على أيدي قوات الأسد ومليشيا أحمد جبريل، الذي كان العنوان المتقدم والمبكر في الساحة الفلسطينية لمدماك دهشة الخذلان.

واعتماداً على الوظيفة والدور الذي أنيط بفصيل كالقيادة العامة على الساحة الفلسطينية منذ مطلع سبعينات القرن الماضي مع استيلاء حافظ الأسد على السلطة، كان الراحل أحمد جبريل وتنظيم الجبهة الشعبية- القيادة العامة، يتبوأ مركز تسويغ وتبرير سياسة الأسد في الملف الفلسطيني، حتى أصبح خنجره المغروس في ظهر الثورة الفلسطينية المعاصرة. ولن ندخل في ترتيب أحداث انتقال طعناته في تل الزعتر (1976)، وحصار المخيمات في لبنان (1985) وتدميرها، ومشاركته قوات الأسد في معارك طرابلس والبداوي (1983)، قبل تطوره الى الارتزاق في أوزو على الحدود الليبية التشادية (1987) ونهر البارد (2007).
العقد الأخير من حياة أحمد جبريل وسياسة فصيله (القيادة العامة) على الساحة السورية، ومشاركته حصار مخيم اليرموك وتمديره وتعفيشه مع عصابات الأسد، ومسؤوليته عن مقتل مئتي محاصر من الجوع، كل ذلك يعيد التأكيد على الأهمية التي حظي بها الرجل عند النظام السوري تاريخياً

العقد الأخير من حياة أحمد جبريل وسياسة فصيله (القيادة العامة) على الساحة السورية، ومشاركته في حصار مخيم اليرموك وتدميره وتعفيشه مع عصابات الأسد، ومسؤوليته عن مقتل مئتي محاصر من الجوع، كل ذلك يعيد التأكيد على الأهمية التي حظي بها الرجل عند النظام السوري تاريخياً. وهذا ليس سراً، بل حقائق يعرفها الفتحاوي والحمساوي، وابن الشعبية والديمقراطية، وكل أدبيات وأوراق التوثيق التاريخي لمسيرة الفلسطينيين، وما دُوّن في سجل الذاكرة المكتوبة عن مسلك تحويل الجبهة، واستثمار بطولات من انتسب إليها إيمانا بفلسطين كقضية تحرر وانخرط في صفوف الثورة، لا ضمن قضية استزلام كما أرادها جبريل وأسرته في خدمة آل الأسد، تحت شعارات فلسطين و"تحرير الأرض والإنسان".

أما التذرع بمفاخرة قتال العدو الإسرائيلي وبعمليات عسكرية نوعية منسوبة لجبريل، ومسروقة ممن ضحى وآمن بقضية فلسطين كقضية تحرر وطني، فهذا استثمار خاسر كما هي استثمارات بقية تيار تبرير قتل الفلسطينيين من قبل نظام الأسد؛ كرمي للشعارات التي تمترس خلفها تيار التشبيح على الضحايا في الساحتين الفلسطينية والسورية.

يتذكر الفلسطينيون في اليرموك، من موت أحمد جبريل، بأن سنواته الأخيرة كانت الأكثر ضخامة في حصاده لأرواح أبناء فلسطين وسوريا، والأكثر ثراء لسيرته الذاتية المثقلة بأرواح آلاف الفلسطينيين والسوريين. إذ لطالما تغنى جبريل بعلاقته الوثيقة مع النظام السوري ومع أجهزته الأمنية المختلفة، فلم يشعر ابن الشارع الفلسطيني مطلقاً بفلسطينية جبريل، بقدر ما أحس به كرجل مخابرات له حظوته عند نظام الأسد، من ثم كأحد أدواته الدموية التي حولت حياته لجحيم في سوريا ولبنان.
سنواته الأخيرة كانت الأكثر ضخامة في حصاده لأرواح أبناء فلسطين وسوريا، والأكثر ثراء لسيرته الذاتية المثقلة بأرواح آلاف الفلسطينيين والسوريين. إذ لطالما تغنى جبريل بعلاقته الوثيقة مع النظام السوري ومع أجهزته الأمنية المختلفة، فلم يشعر ابن الشارع الفلسطيني مطلقاً بفلسطينية جبريل

في تجربة الشعب الفلسطيني في سوريا، ومساهمة أحمد جبريل والقيادة العامة في حصة الدم التي يجبيها الأسد من أرواح أبناء فلسطين في مخيمات سوريا وفي فرع فلسطين، لا يُفهم الحزن الفصائلي في مأتمه وبيانات نعيه وتمجيده في سياق "نختلف معه ولا نختلف عليه بفلسطين"، وهي من العبارات الأكثر سخفا لتلميع مجرمين وقتلة وسفاحين، فما بالك بمن غطس بمستنقع دم أبناء شعبه في كل تاريخه "الثوري".

تزوير ما عايشه أبناء فلسطين في المخيمات السورية، من حصار وقتل وتعفيش لممتلكات ما تبقى للاجئين تحت بصر وإشراف القيادة العامة وفرع فلسطين، هو ما أخذته على عاتقها نخبة فلسطينية رسمية في دمشق ورام الله وبيروت وغزة، من خلال بيانات النعي التي تصف جبريل بمؤسس الثورة الفلسطينية، ولا تذكر تأسيسه تيار الغدر والتشبيح وتيار جُرأة قتل الفلسطيني في مخيماته، ومطاردته وتسليمه لفرع فلسطين حتى يُسلخ بكل ما للكلمة من معنى.

الأسباب كثيرة تتلخص في جملة قالها محمود درويش في رثاء غسان كنفاني: "باعوا الضحية فاشتكت، فاجتمع الغزاة والطغاة على إخماد شكواها، لأن سلامتهم واحدة".
يموت كل يوم واحد من أبناء فلسطين في أقبية التعذيب في سوريا، ومشاهد ضحايا حصار الجوع في اليرموك لم تلهب مشاعر الفصائل الفلسطينية على قتلهم. لم تتحرك بيانات النعي الفصائلية ولم تجرؤ حتى للمطالبة بجثثهم

السلامة الواحدة التي تجمع منهجية جبريل وجوقة الحزن الفصائلي عليه، وتمنحه مرتبة الشهادة، بينما الألسن تقطع وضمائرها تخرس إذا ما سُئلت عن الضحايا في أقبية فرع فلسطين الأسدي، التي ساهم أحمد جبريل ومليشياته في تكديس جثثها من خلال مطاردة واعتقال نشطاء سوريا وفلسطين. النعي استهبال مريع لعقل الفلسطيني الشاهد الحي على مليشيا جبريل بالصورة والصوت والوثيقة، وهي تدك مخيم اليرموك بقذائف الأسد، الذي أوكل إليها عملية حصار المخيم وتشديده على اليرموك.

يموت كل يوم واحد من أبناء فلسطين في أقبية التعذيب في سوريا، ومشاهد ضحايا حصار الجوع في اليرموك لم تلهب مشاعر الفصائل الفلسطينية على قتلهم. لم تتحرك بيانات النعي الفصائلية ولم تجرؤ حتى للمطالبة بجثثهم لأن قاتلهم الأسد ووكليه أحمد جبريل، وعندما يموت وكيله القاتل تتسابق البيانات لفبركة سيرة ذاتية تليق بعبارة "شهيد فلسطين"، بينما شهيد فرع فلسطين من مخيم اليرموك باستطاعته إخراس سلطة وفصائل وتقزيم بطولاتها عند أقدام الجلاد في دمشق.

وعندما يخسر تيار التشبيح الفلسطيني "قائدا" خسر شعباً، وكسب أصدقاء تشبيحٍ بحسدٍ على مكانته، فاعلم أن القضية المركوبة بتيار يساند الطغاة والقتلة لن تنجز تحريرا ولا نصرا، وهي في مهمة تشبيح تاريخي على شعبها في الضفة وغزة والشتات.