كتاب عربي 21

الإسلاميون والديمقراطية والاعتراف المتبادل: تونس نموذجا

1300x600
منذ انتشار الديمقراطية أو الدعوة للدولة الليبرالية أو الدولة المدنية ونشوء الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي، كان هناك سؤال مطروح من قبل المفكرين والباحثين: هل يقبل الإسلاميون بالديمقراطية والدولة الليبرالية أو الدولة المدنية؟ وهل تنسجم الديمقراطية وحكم الشعب مع تعاليم الإسلام؟

وخلال المائة سنة الماضية، أي منذ انتهاء الخلافة العثمانية إلى اليوم، كُتبت آلاف الكتب والدراسات والأبحاث حول الإسلام والديمقراطية، وكانت الآراء مختلفة ومتناقضة. فهناك من يقبل بالديمقراطية وهناك من يرفضها، وكان التحدي الكبير خلال العقود الخمسة الأخيرة: كيف يمكن أن نجعل الحركات الإسلامية تقبل بالديمقراطية وتنخرط فيها؟

ورغم استمرار رفض بعض هذه الحركات للديمقراطية (حزب التحرير وبعض التيارات السلفية المتشددة للديمقراطية)، فإن معظم هذه الحركات الإسلامية قبلت بالديمقراطية والعملية الانتخابية وانخرطت فيها وشاركت في الانتخابات الرئاسية والنيابية والبلدية، كما شاركت في الحكم مباشرة في ظل دساتير علمانية أو ديمقراطية.

ولا يمكن تعداد كل هذه الحركات وكل الدول، لكن كمثال على ذلك كل حركات الإخوان المسلمين أو الحركات المنبثقة عنها تبنت الديمقراطية، كذلك حزب الله في لبنان، والحركات الإسلامية في العراق، إضافة لتبني شكل من أشكال الديمقراطية تحت نظر ولاية الفقيه في إيران، والتجربة الديمقراطية في تركيا، وكل التجارب الديمقراطية في الدول الإسلامية الآسيوية.
تجاوزت الحركات الإسلامية هذا التحدي بالقبول والاعتراف والانخراط في العملية الديمقراطية بشكل كامل، ووافقت على المشاركة مع قوى أخرى (يسارية وعلمانية) في الحكم، كما جرى في تونس بعد الثورة الشعبية، وكذلك تجربة الإخوان المسلمين في مصر، وما يجري في المغرب وفي دول أخرى

إذن تجاوزت الحركات الإسلامية هذا التحدي بالقبول والاعتراف والانخراط في العملية الديمقراطية بشكل كامل، ووافقت على المشاركة مع قوى أخرى (يسارية وعلمانية) في الحكم، كما جرى في تونس بعد الثورة الشعبية، وكذلك تجربة الإخوان المسلمين في مصر، وما يجري في المغرب وفي دول أخرى.

والتجربة التونسية كانت تعتبر، حتى حصول التطورات الأخيرة ولحين صدور قرارات الرئيس التونسي قيس سعيد، أفضل نموذج للديمقراطية الانتقالية وللتوافق الإسلامي- العلماني في إدارة البلاد.

في المقابل كان السؤال الدائم: هل تقبل القوى الأخرى، سواء كانت من داخل الدول العربية والإسلامية أو مما يسمى العالم الحر، بنتائج الانتخابات والعملية الديمقراطية ووصول الإسلاميين للحكم؟

فمنذ انتخابات الجزائر في تسعينات القرن الماضي، وصولا للانتخابات في فلسطين ووصول حركة حماس للحكم، وتجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا وقبله حزب الرفاه التركي، ومن ثم ما بعد الربيع العربي ووصول الإسلاميين للحكم في تونس ومصر ودول أخرى، كنا نلاحظ أن هناك حملة قاسية على هذه التجارب ووصلت أحيانا إلى حد دعم الانقلابات العسكرية ضد الإسلاميين، والعمل لمحاصرة أي دور للإسلاميين في العملية السياسية في بعض البلدان أو التنديد القاسي بكل تجاربهم بعيدا عن أي تقييم موضوعي.
كان السؤال الدائم: هل تقبل القوى الأخرى، سواء كانت من داخل الدول العربية والإسلامية أو مما يسمى العالم الحر، بنتائج الانتخابات والعملية الديمقراطية ووصول الإسلاميين للحكم؟

طبعا قد تتحمل بعض الحركات الإسلامية حصول أخطاء في أدائها أو إدارتها للبلاد، أو في بعض مواقفها وتحالفاتها السياسية، لكن ذلك لا يبرر أبدا القبول بأي إجراء ضد الديمقراطية أو لنسف نتائج الانتخابات، والطريق الأفضل لتصحيح أي مسار هو اتباع الخيار الديمقراطي وليس الانقلاب عليه.

وللرد على هذه الإشكالات، اعتبرت بعض القوى السياسية والحزبية والشخصيات الفكرية أن مسألة الديمقراطية لا تنحصر فقط بصناديق الاقتراع، وأنه في المراحل الانتقالية يجب اعتماد آليات أخرى لإقامة المؤسسات الدستورية، وأن من حق الشعب بدعم من الجيش عزل الرئيس حتى لو كان منتخبا من الشعب، كما حصل سابقا في مصر، أو من حق الرئيس اتخاذ قرارات لتجميد العملية الديمقراطية كما حصل مؤخرا في تونس.

ودائما عندما يكون الإسلاميون في الحكم تُشن عليهم الحملات القاسية ويُحمّلون كل أسباب الفشل، دون الأخذ بالاعتبار الأوضاع الداخلية والخارجية التي تحيط بهم وببلادهم. وهذا لا يعني أنهم لا يتحملون الأخطاء في الأداء أو بعض أسباب الفشل في بعض الأحيان، لكن تصحيح المسار يتم عبر الآليات الديمقراطية وليس الانقلاب عليها.
إذا قبلت بعض الحركات الإسلامية بالدولة المدنية وانخرطت في اللعبة الديمقراطية ووصلت إلى الحكم عن طريق هذه اللعبة، فإن القوى الأخرى وبدعم من الجيش أو قوى خارجية تعمل لمحاصرة الإسلاميين والانقلاب عليهم، أو العمل لإفشال تجاربهم السياسية وفي إدارة البلاد

وهكذا إذا قبلت بعض الحركات الإسلامية بالدولة المدنية وانخرطت في اللعبة الديمقراطية ووصلت إلى الحكم عن طريق هذه اللعبة، فإن القوى الأخرى وبدعم من الجيش أو قوى خارجية تعمل لمحاصرة الإسلاميين والانقلاب عليهم، أو العمل لإفشال تجاربهم السياسية وفي إدارة البلاد.

وإذا كان الإسلاميون معنيين دائما بتأكيد احترامهم للديمقراطية والالتزام بمفاعليها وتقييم تجاربهم في الحكم والإدارة، وتحمل أسباب فشلهم أحيانا، فإن القوى العلمانية والمدنية والليبرالية والقومية مسؤولة أيضا عن حماية أية تجربة ديمقراطية يشارك فيها الإسلاميون، وعدم السماح بالانقلاب عليها ومنع الإسلاميين من الحكم إذا وصلوا عبر صناديق الاقتراع.

إذن نحن أمام مسؤولية مشتركة، فالإسلاميون معنيون بحماية التجربة الديمقراطية وتطويرها نحو الأفضل وفي خدمة البلاد التي يشاركون في حكمها وإدارتها، وبالمقابل فإن الداعين للديمقراطية واحترام حق الشعب في الاختيار وإدارة البلاد معنيون بحماية تجربة الإسلاميين في العملية الديمقراطية وعدم القبول بالانقلاب عليهم؛ إذا كانت التطورات لا تتجه بالاتجاه الذي يريده العلمانيون.
يجب أن تبقى الديمقراطية وأسسها وآلياتها هي الحَكم بين الإسلاميين والعلمانيين، وبذلك نحقق هدف قيام الدولة المدنية الحقيقية ودولة المواطنة وتتم عملية تطوير بلادنا نحو الأفضل، وإلا نكون نمهّد مجددا لعودة العنف والتطرف والتيارات الرافضة للديمقراطية

نحن إذن أمام تحدٍ مشترك من قبل الإسلاميين والعلمانيين والقوميين واليساريين؛ في الحفاظ على التجارب الديمقراطية في بلادنا وتطوير هذه التجارب بما يحقق مصالح بلادنا وشعوبها، وليست هناك وصفة واحدة للديمقراطية في كل بلد، لكن الأهم الالتزام بالمبادئ الأساسية في احترام قواعد الديمقراطية والعودة للشعب لحسم الخيارات الأساسية، والقبول بالتنوع وتداول السلطة، بدل اللجوء للعنف والقمع والانقلابات المختلفة.

ويجب أن تبقى الديمقراطية وأسسها وآلياتها هي الحَكم بين الإسلاميين والعلمانيين، وبذلك نحقق هدف قيام الدولة المدنية الحقيقية ودولة المواطنة وتتم عملية تطوير بلادنا نحو الأفضل، وإلا نكون نمهّد مجددا لعودة العنف والتطرف والتيارات الرافضة للديمقراطية؛ والداعية إلى تبني الخيارات العنفية في مواجهة الحكام والسلطات القائمة لأسباب مختلفة.

فهل نحمي التجربة الديمقراطية في تونس، أم أننا نساهم مجددا في انتشار العنف والصراع والقمع، كما حصل في تجارب أخرى في العالم العربي والإسلامي. تلك مسؤوليتنا جميعا، قوميين وإسلاميين وليبراليين ويساريين، وكل من يؤمن بالديمقراطية ويدعو إليها.

twitter.com/KassirKassem