صحافة تركية

كيف سيؤثر الغزو الروسي لأوكرانيا على سوريا؟

14.6 مليون شخص بحاجة إلى المساعدات الإنسانية بسوريا- جيتي

لن تقتصر عواقب الأزمة الكبرى التي بدأت مع الغزو الروسي لأوكرانيا على القارة الأوروبية وحدها، بل إن الهزات الناجمة عنها تمتد إلى مناطق واسعة في نطاق عالمي، بما في ذلك سوريا التي تعد مصدر قلق بالنسبة لتركيا.

 

وأحد أهم أسباب انفتاح سوريا على آثار هذه الأزمة هو أن الولايات المتحدة وروسيا، اللتين تواجهان بعضهما البعض اليوم بسبب الحرب في أوكرانيا، لديهما وجود عسكري على الأرض في هذا البلد، بحسب تقرير للكاتب سادات أرغين في صحيفة "حرييت" التركية.

 

هل تركز روسيا على سوريا في ظل حربها على أوكرانيا؟

 

وتقع الجغرافيا الشاسعة لشرق الفرات، التي تنحدر إلى الجنوب من خط الحدود التركية السورية، تحت تأثير الولايات المتحدة، وعلى الرغم من أن لديها قوة عسكرية محدودة من حيث العدد، فإنها تمارس نفوذها على الأرض من خلال التحالف العسكري الذي أقامته مع "قوات سوريا الديمقراطية"، وهي عمليا تسيطر على المجال الجوي السوري هناك.

 

ويخضع المجال الجوي إلى الغرب من نهر الفرات تحت سيطرة روسيا، التي تهيمن على منقطة واسعة في منطقة النظام غربي الفرات عبر قوة برية معينة وقواعد بحرية وجوية إلى جانب هيمنتها على ممر يمتد على طول الخط الحدودي شرقي الفرات، وهي أيضا راعي نظام الأسد الذي ساعده بالبقاء على قيد الحياة مع الدعم العسكري الذي قدمته.

 

وفي الوقت الذي توجه فيه روسيا كل طاقتها ومواردها إلى أوكرانيا، فإنها ستركز حتما بشكل أقل على سوريا مقارنة بما كانت عليه من قبل، ومن المعروف أنها تجند مرتزقة من سوريا لخدمتها في أوكرانيا.

 

اقرأ أيضا: ما تأثير الملف الأوكراني على مباحثات الدستور السوري؟

وعادة ما تتخذ روسيا خطا حذرا وتتجنب المواجهة مع تركيا، التي لا تشارك في العقوبات الغربية، وكامتداد لهذه السياسة فإن من المتوقع أن تبتعد في هذه المرحلة عن إزعاج تركيا في سوريا.

 

حوار روسي-أمريكي في سوريا

 

ومن المثير للاهتمام، أن سوريا كانت تعد واحدة من المجالات التي بدأ التعاون بين الولايات المتحدة وروسيا للعمل بهدوء، لا سيما بعد وصول إدارة بايدن إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/ يناير 2021.

 

واجتمع كبار ممثلي الولايات المتحدة وروسيا المسؤولين عن سوريا على فترات منتظمة منذ الصيف الماضي، وكانت إحدى النتائج الملموسة للحوار بين موسكو وواشنطن بشأن سوريا، موافقة الكرملين في تموز/ يوليو الماضي على تمديد آلية المساعدات عبر الحدود التابعة للأمم المتحدة إلى سوريا عبر بوابة سيلفيغوزو الحدودية في هاتاي التركية لمدة عام واحد حتى 10 تموز/ يوليو المقبل.

 

وفي نهاية المفاوضات الطويلة، استمرت آلية الأمم المتحدة للمساعدة على حالها بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2585، بينما في المقابل، تصرفت الولايات المتحدة بمرونة في نظام العقوبات الذي فرضته على سوريا، بهدف تلبية الاحتياجات الإنسانية، ما جلب بعض الراحة لأنشطة منظمات ومؤسسات الإغاثة في مناطق النظام.

 

وتكمن أهمية هذه الخطوات في أنها أظهرت لأول مرة بدء عملية الأخذ والعطاء بين روسيا والولايات المتحدة حول قضايا المساعدات الإنسانية في سوريا، وكانت هناك توقعات بأن ينعكس هذا الحوار في عملية التسوية السياسية بمرور الوقت.

 

وكان التطور الملحوظ هذه المرة هو الاتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا في كانون الثاني/ يناير الماضي للحد من وتيرة اجتماعات المراجعة المنتظمة حول سوريا، في مجلس الأمن الدولي، وهذا بدوره سيخفف الضغط على روسيا ونظام الأسد في الأمم المتحدة إلى حد ما.

 

اقرأ أيضا: ارتفاع كبير للأسعار في سوريا.. وانخفاض بالاستجابة الإنسانية
 

وتم تعليق الاتفاق الذي تم التوصل إليه بشأن مجلس الأمن الدولي مع بدء الحرب بأوكرانيا، بالإضافة إلى ذلك ، فإن مسألة ما إذا كانت روسيا ستوافق على تمديد آلية المساعدة التابعة للأمم المتحدة من سيلفيغوزو بحلول تموز/ يوليو المقبل هي بالفعل مسألة فضول، حيث دأبت منذ فترة طويلة على الدعوة إلى أن تمر مساعدات الأمم المتحدة إلى شمال غرب سوريا مباشرة عبر منطقة النظام لإظهار سيادة الأسد.

 

الأمن الغذائي في سوريا

 

هناك انعكاس آخر للأزمة الأوكرانية، يتم الشعور بها في المناطق السورية، التي تعاني من صعوبات خطيرة في تلبية الاحتياجات الأساسية وتحتاج إلى مساعدات إنسانية عالية حيث سيتفاقم الوضع مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية في العالم وظهور مشاكل في توريد المنتجات الزراعية مثل القمح.

 

وتعاني مناطق النظام السوري من ارتفاع مفرط بأسعار الخبز، حيث تعد هذه المسألة مركز اهتمام تقارير منظمات حقوق الإنسان مثل "هيومن رايتس ووتش".

 

وقال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، مارتن غريفيث، إن 14.6 مليون شخص بحاجة إلى المساعدات الإنسانية بسوريا، فيما تواصل الأزمة الاقتصادية في دفع الاحتياجات الإنسانية إلى مستويات جديدة.

 

وتابع قائلا: "كما يعاني 12 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، وهم معرضون لخطر تردي الوضع الإنساني بشكل أكبر. هذه أرقام مرعبة".

 

وباختصار، فإنه يمكن للتداعيات الاقتصادية للحرب في أوكرانيا أن تسبب كارثة إنسانية كبيرة في الحرب السورية التي أتمت عامها الحادي عشر الشهر الماضي.

 

هل يمكن تطبيع العلاقات بين أنقرة ونظام الأسد؟

 

من الجدير بالذكر أن هناك بعض الميول ظهرت في أنقرة بهدف السعي لتطبيع العلاقات مع نظام الأسد.

 

اقرأ أيضا: تركيا تتجه لتطبيع العلاقات مع نظام الأسد.. ما شروط أنقرة؟
 

وبعض التقييمات ترى أن دور تركيا في الأشهر الأخيرة، وخاصة تجاه حل الحرب الأوكرانية، وتركيز روسيا هناك قد يكون توقيتا جيدا لحل المشكلة السورية، وأضافت المصادر أنه إذا سارت الأجواء بشكل صحيح، فقد تكون لصالح تركيا، وقد تكون هناك فرصة لاستعادة العلاقات مع النظام السوري وضمان عودة اللاجئين إلى بلادهم بحسب تقرير سابق لصحيفة "حرييت".

 

ورأى الكاتب التركي أنه كما هو الحال مع دول المنطقة حيث يتم بناء الجسور بخطوات تطبيعية متتالية مع إسرائيل ومصر والإمارات والسعودية، فلربما نحتاج إلى أن نكون مستعدين لمفاجأة بشأن سوريا.