كتاب عربي 21

تونس: بين الغنوشي والمرزوقي وسعيّد

1300x600
أثار المقال المنشور على هذا الموقع الأسبوع الماضي تحت عنوان "تونس: براءة سعيّد من دم الانقلاب"؛ ردود فعل مختلفة من طرف عدد من الأصدقاء والزملاء الذين تباينت مواقفهم من المقال وخاصة فقرته الأخيرة. لذا كان واجبا عليّ أن أكتب هذا المقال الثاني، توضيحا وعرضا وكشفا لبعض ما غمُض أو التبس على القارئ من مضامين المقال السابق.

القائلون بأن توقيت نقدِ القوى والشخصيات المحسوبة على الثورة والربيع العربي اليوم ليس مناسبا؛ هو قول مردود على قائله لأن ثقافة المحاسبة لا يحدّها زمان ولا مكان، بل هي في صميم الواجب الثوري لمن أراد أن يمنع عن الأجيال القادمة تجدد الانكسارات والهزائم والنكسات.

البحث عن شيطنة الرئيس قيس سعيّد بتحميله كامل مسؤولية الانقلاب في تونس فعلٌ لا يستقيم منطقا (تماسك النسق) ولا تحليلا (تفكيكا وتركيبا) ولا تأويلا (دلالة ونقدا)، بل هو قول يناقض كل قوانين الفيزياء ونواميس الاجتماع البشري.
البحث عن شيطنة الرئيس قيس سعيّد بتحميله كامل مسؤولية الانقلاب في تونس فعلٌ لا يستقيم منطقا (تماسك النسق) ولا تحليلا (تفكيكا وتركيبا ) ولا تأويلا (دلالة ونقدا)، بل هو قول يناقض كل قوانين الفيزياء ونواميس الاجتماع البشري

الساعون إلى القول بأنّ موقفي من قوى الثورة ومن الشخصيات المذكورة حمّالٌ لحسابات ذاتية هو قولٌ سالبٌ للحقيقة، إذْ لم يدافع أحد مثلي عن الشخصيات الثلاثة المذكورة كتابة وصوتا وصورة في الحقيقة وفي مواقع التواصل، دفاعا عن المبدأ لا عن الأشخاص.

الغامزون إلى تغيّر موقفي بشكل كبير من قوى الثورة ومن الشخصيات التي تنتحل تمثليها خوفا من الانقلاب؛ ينكرون المذابح والفشل الذريع الذي ضرب مسار الثورات، بشكل يفرض على كل فرد من الأمة أن يعيد تشكيل مواقفه وقناعاته.

انهيار تونس وواجب الحساب

لن نختلف مع أحد إن نحن قلنا إنّ مهد الربيع العربي يمرّ اليوم بأسوأ أزماته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، منذ أكذوبة الاستقلال في 1956 ونشأة أضحوكة "الدولة الوطنية". بل كثيرون في الداخل والخارج يرون أنّ احتمال الحرب الأهلية أو المجاعة صار أمرا واردَ الحدوث؛ بعد المجزرة الكبرى التي حدثت في حق الثورة والمسار الانتقالي والتجربة الديمقراطية الوليدة.

أن تتحوّل الثورة إلى فوضى عارمة وأن تؤدي التجربة الديمقراطية الوليدة إلى إعادة إنتاج نظام استبدادي أشدّ وأنكى من نظاميْ بورقيبة وابن علي، فتلك جريمة توجب محاسبة مرتكبيها فردا فردا، اليوم قبل الغد. وهي جريمة لا تقع على عاتق قوى الثورة المضادة لأن هدفها هو كسر مسار الخروج من حالة الاستبداد، وقد نجحت في هذه المهمة، بل هي أولا وقبل كل شيء مسؤولية القوى والشخصيات التي تصدرت المشهد بشعارات الانتصار للثورة والقدرة على ذلك. فمن يحاول ربح الوقت والتلويح بأنّ السياق غير مناسب لذلك فهو إما مشارك في الجريمة ويبغي خلاص المجرمين، أو أنه لم يفهم طبيعة المعركة فيشارك في تدمير المسار بسذاجة بائسة.
جريمة لا تقع على عاتق قوى الثورة المضادة لأن هدفها هو كسر مسار الخروج من حالة الاستبداد، وقد نجحت في هذه المهمة، بل هي أولا وقبل كل شيء مسؤولية القوى والشخصيات التي تصدرت المشهد بشعارات الانتصار للثورة والقدرة على ذلك

إذا غرقت السفينة وجبت محاسبة الرباّن، ولما كان ربابينُ السفينة التونسية كثرا واستعصت محاكمتهم، وجب على الأقل محاسبتهم معنويا حتى نترك للأجيال القادمة ما تستطيع به منع تجدد المآسي والفشل والانكسار.

الكارثة الأعظم أنّ المسار التونسي والتحوّل الديمقراطي فيها كان سهلا يسيرا وفي متناول الجميع، مقارنة بالسياقات الأخرى المشتعلة في اليمن أو سوريا أو مصر أو ليبيا أو السودان. في تونس لم تكن القوى الصلبة الحاملة للسلاح إقطاعية ريعية مثلما هو الحال في مصر، ولا هي طائفية مذهبية مثلما هو الأمر في سوريا واليمن، ولا هي قبليّة مثلما هو الحال في ليبيا والسودان. ولم تكن القوى الناعمة القابضة على الفضاء الرمزي من إعلام وثقافة وتعليم وقضاء وقانون؛ قادرة على مواجهة الموجة الثورية العظيمة خلال السنوات الخمس التي أعقبت هروب ابن علي.

كان السياق ملائما لوضع أسس مسار ديمقراطي صلب يكنس من طريقه كل الأوكار وبقايا المزابل التي تركها نظام الوكالة الاستعمارية وراءه، وكانت مراكز الاستشعار العالمية في هذه الفترة منشغلة تحت وقع صدمة الانفجار العربي الكبير وساحاته المشتعلة الجديدة في مصر وسوريا وليبيا.

كانت الريح مواتية لأنّ المجتمع التونسي -الطبقات الشعبية أساسا- فريد في منطقته والمنطقة العربية ككل، إذ لم يكن عبر تاريخه الطويل من موجات الهجرة وتقاطع الأنماط المجتمعية على أرضه طائفيا ولا قبليا أو مذهبيا، بل يغلب عليه التسامح والانفتاح وقبول الآخر ونبذ العنف. وهو الأمر الذي يفسّر طبيعة المسار السلمي للثورة وعدد الضحايا الذي كان سببا في هروب ابن علي، ثم بعد ذلك غياب كل مظهر من مظاهر الانتقام أو سفك الدماء، بل إن الجميع يعلم اليوم من مصادر أمنية أن العمليات الإرهابية والاغتيالات التي عرفتها البلاد كانت تقف وراءها أجهزة خارجية نافذة.
كان السياق ملائما لوضع أسس مسار ديمقراطي صلب يكنس من طريقه كل الأوكار وبقايا المزابل التي تركها نظام الوكالة الاستعمارية وراءه، وكانت مراكز الاستشعار العالمية في هذه الفترة منشغلة تحت وقع صدمة الانفجار العربي الكبير وساحاته المشتعلة الجديدة في مصر وسوريا وليبيا

بين الغنوشي والمرزوقي

في آخر مداخلة له على قناة الجزيرة العربية، قال الغنوشي إنه مستعدّ للاستقالة من رئاسة البرلمان إذا كان ذلك سيعيد الديمقراطية إلى البلاد. أما المرزوقي فقد صرّح على منبر إعلامي تركي مؤخرا بأن الجميع يتحمل مسؤولية الانقلاب في تونس نخبا وشعبا حكّاما ومحكومين.

التصريحان متناقضان متأخران جدّا ولا يرفعان عن رئيس البرلمان ورئيس الجمهورية السابق المسؤولية التاريخية والمعنوية فيما آلت إليه أوضاع البلاد، بل هما عبارة عن مُسكّن للجموع التي لا زالت تعتقد في أن جيل الشيوخ والعجائز "المفكرين" قادر على قيادة ثورة الشباب "الذي لا يفكّر". لكنّ تصريحا آخر على الأثير التونسي لأحمد نجيب الشابي، القيادي في جبهة الخلاص، كان قد مرّ مرور الكرام، حين سأله المذيع عمّا يجمعه اليوم مع الإسلاميين وهم خصومه بالأمس، فأجاب بقول كثيف المعنى: "نحن في المعارضة توحّدنا العصا".

لخّص الشابي تقريبا كل شيء عن طبيعة النخب التونسية والمعارضة السياسية التي استلمت زمام السلطة بعد الثورة، وفيها كتبتُ في هذا الموقع تحت عنوان "يوحّدهم الاستبداد وتفرّقهم الحرية" أياما بعد الانقلاب. لقد لخّص الرجل عن غفلة جوهر النخبة التونسية التي لا يوحّدها شيء غير عصا الاستبداد.

راشد الغنوشي هو زعيم ورئيس حركة النهضة (الاتجاه الإسلامي سابقا) منذ أكثر من نصف قرن من الزمان، فهو يُقدّم على أنه زعيم سياسي ومفكّر إسلامي وقائد حزبي ورئيس برلماني وشيخ دين.. وكل الألقاب التي تعشقها النخب العربية كما يعشقها المستبدّ الحاكم. ساهم "الشيخ المفكر" في تهميش أجيال من خيرة شباب الحركة، ومنع كل فرصة لتجديد دماء حزبه، وقرّرَ غداة الثورة التحالف مع قوى النظام القديم التي أجهزت على المسار الانتقالي بعد ذلك وأعادت الاسلاميين إلى السجون والاستبدادَ إلى سدّة الحكم.
ليس هذا الوصف استنقاصا من قيمة الرجل ومن نضالاته، ولكنه درس في الأخطاء الفادحة التي ارتكبها في حق نفسه وفي حق حركته وفي حق الثورة ككل

لم يكن الغنوشي رجل المرحلة، كما لم يكن الشهيد محمد مرسي كذلك في مصر، لكن تخبّط الخيارات أدى بكل التجربة إلى الهلاك. ليس هذا الوصف استنقاصا من قيمة الرجل ومن نضالاته، ولكنه درس في الأخطاء الفادحة التي ارتكبها في حق نفسه وفي حق حركته وفي حق الثورة ككل. بالأمس القريب دفعت نفس الأخطاء بخيرة شباب تونس من الإسلاميين إلى محرقة ابن علي خلال التسعينات، ودُفنت أعمار أجيال حكم عليها "تكتيك الشيخ" بالفناء والمنافي وزنازين التعذيب.

يوم نُصّب قيس سعيّد كتبت في هذا الموقع مقالا بعنوان "إنصافا للرئيس المرزوقي"، انتصارا لرمزيته بسبب استبعاده من حفلة التنصيب، وهو الذي شغل يوما ما منصب رئيس للجمهورية. لن تكون القراءة هنا موضوعية بل ذاتية خالصة، انتصارا للثورة ولأرواح الشهداء، كما كانت في المقال السالف مدفوعة بالانتصار للرجل؛ لا لذاته بل لأنه مثّل في يوم ما موجة الخروج من نفق الاستبداد.

لكنّ المناضل الحقوقي ساهم بشكل مباشر في فوز قائد الانقلاب، حين ترشح للانتخابات الأخيرة فتسبب في تشتت أصوات الناخبين وخرج من الباب الصغير، رغم كل الدعوات له بعدم الترشح. لم يستطع الرجل منذ البداية المشاركة في فرض نظام برلماني صرف يقطع كل الطرق أمام عودة حكم الفرد، بل أصر على حقيبتي الدفاع والخارجية حين صار رئيسا، وهي الأدوات التي سينفَّذُ بها الانقلاب لاحقا.
ما يقوم به قائد الانقلاب من تصفية للمسار الانتقالي بتوافقاته المغشوشة وتدمير لهياكل الدولة الوهمية الواهية؛ هو أفضل الحلول الممكنة للحسم في مسار أعرج ستعيد الأجيال القادمة بناءه على أسس صلبة

لم يشغله واجبُ تنصيب المحكمة الدستورية ولا تعديل القانون الانتخابي، ولا مراجعة تركيبة "الهيئة المستقلة لإعلام السمعي البصري". فكانت أعظم إنجازات الرجل رئيسا "الكتابَ الأسود" لتصفية حسابات ضيقة بائسة مع أطراف بعينها، جُلِب لحملها مستشار مغفّل من باريس (لم يُستشر في الحقيقة يوما)، ليُمسح فيه دم الكتاب حين تراجع المناضل الحقوقي ومدير ديوانه عن توقيع الكتاب بأسمائهم خوفا من مواجهة أذرع الدولة العميقة. لم يقوَ المناضل المفكّر عن مواجهة الانقلابي يوم أصدر فيه بطاقة جلب دولية، وفضّل ككل المفكرين تأثيث المحاضرات التي يشرح فيها طرق البكاء على أطلال الثورة.

ليس قيس سعّيد مسؤولا عن انقلاب تونس، بل هو محصّلة طبيعية لفشل جيل من النخب أمعن في إنكار التاريخ ورفَض إفساح المجال لجيل شاب قادر على الحسم مع أذرع الثورة المضادة، بعد أن نجح في إجبار الطاغية على الهرب. بل إن ما يقوم به قائد الانقلاب من تصفية للمسار الانتقالي بتوافقاته المغشوشة وتدمير لهياكل الدولة الوهمية الواهية؛ هو أفضل الحلول الممكنة للحسم في مسار أعرج ستعيد الأجيال القادمة بناءه على أسس صلبة، بعد أن تتخلص من مخلّفات نخب مزيّفة لا تزال تُمعن في إنكار منطق التاريخ وحتمية تداول الأجيال.