كتب

القضاء في الإسلام من العهد النبوي إلى عهد الإمارة الإسلامية.. قراءة في كتاب (2 من2)

الكتاب يرسم خطة يحتذى بها في كيفية توفير الأمن والاستقرار، وتحقيق العدالة الاجتماعية في الدولة الحديثة المسلمة..
الكتاب: "تتمة النظام في تاريخ القضاء في الإسلام من العهد النبوي إلى عهد الإمارة الإسلامية"
المؤلف: القاضي الشيخ العلامة عبد الحكيم الحقاني الأفغاني
الناشر: الطبعة الأولى - مكتبة قاسم العلوم  ـ 1444هـ/ 2023م
عدد الصفحات: 320


6 ـ القضاء في العهد العباسي

تحدث قاضي القضاة الشيخ الحقاني عن القضاة في العهد العباسي، وترجم لخلفاء بني العباس، حتى سقوط بغداد 656 هجرية، وعلق تعليقاً جميلاً على خلفاء بني العباس، فقال: هؤلاء خلفاء بني العباس، خلال خمسة قرون وربع قرن، قد تفاوتت حالهم تفاوتاً كبيراً جداً، في الخلافة، وحسن الإدارة، والورع والتقوى، ورعاية حقوق الناس، واِتباع الأحكام الشرعية، وأشار إلى صلة القضاء في العهد العباسي بما قبله، والتغيرات والزيادات في الإدارة القضائية في العهد العباسي، وإقرار قاضي القضاة، وبين أن الأمر الجديد، الذي برز في القضاء الإسلامي لأول مرة، ظهور منصب قاضي القضاة، الذي اِستحدثه الخليفة العباسي هارون الرشيد في بغداد عام 170 هجرية، وبيَّن سبب ظهور هذا المنصب، فهو نتيجة طبيعية لاتساع رقعة الدولة الإسلامية، وانشغال الخليفة بالمهام الجسيمة في الخلافة، فاحتاج الخليفة، إلى من ينوب عنه، في هذا الجانب الخطير والعظيم، فهارون الرشيد هو أول من استحدث هذا المنصب، وفي إطلاق هذا اللقب الجديد، وهو قاضي القضاة، إذ عيّن هارون الرشيد، الإمام أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم، فيعين من أشار به أبو يوسف، ويقتصر عمل قاضي القضاة، على ترشيح من يراه مناسباً من أهل العلم والصلاح والعدل، ليعرضها على الخليفة، فيُعينه في الأمصار، ولا يعين الرشيد قاضياً إلا إذا رشّحه أبو يوسف، واستمر في هذا المنصب حتى وفاته عام 182 ه، وأفاد الكاتب جزاه الله خيراً، وأعطى فكرة واضحة عن تاريخ القضاء في العهد العباسي.

7 ـ القضاء في المغرب والأندلس

تكلّم عن القضاء في الأندلس والمغرب في العهد الأموي، وعن أمراء بني أمية في الأندلس، وعن تطور نظام القضاء، وعن التنظيم الإداري والقضائي في الأندلس والمغرب، وعن ميزات التنظيم الإداري للقضاء في الأندلس، وخلاف القضاء في بغداد، كقاضي الجماعة، وقاضي المدن الكبيرة، وقاضي المدن الصغيرة، وقاضي الأشراف الذي استحدثه يوسف بن تاشفين في عهد المرابطين، وهو قاضٍ خاصٍ للفصل في المنازعات بين الأشراف، وقاضي النصارى، وقاضي السوق أو الحسبة، و صاحب الشرطة، وصاحب المظالم، وقاضي الجند، وخطة الرد، وهي بمثابة محكمة عليا، أو محكمة تميز، أو محكمة نقض، وهي من الخطوط التي تميز بها الأندلس، ولم تعرف في الشرق الإسلامي وبغداد، ويطلق على من تقلد هذه الخطة اسم: صاحب الردّ؛ لأن الأحكام تردُّ إليه، وكان أدنى منزلة من منزلة قاضي الجماعة.

إن الإسلام اهتم بالقضاء اهتماماً كبيراً، وله في الشريعة الإسلامية مكانة رفيعة، فهو فرض وعبادة، بل من أقوى الفرائض، وأشرف العبادات بعد الإيمان بالله تعالى، لأن المظلومين يلجأون إليه لكي ينصفوا في مواجهه الظالمين، والناس يحتاجون إليه في تنفيذ الأحكام، وقطع المنازعات، والفصل في الخصومات، وإسناد الحقوق إلى أصحابها.
إن كتاب تتمة النظام في تاريخ القضاء في الإسلام، يكشف لنا الجهد الكبير، والثقافة الموسوعية، والإلمام بالحضارة الإسلامية في مشرقها ومغربها، ونظرة قاضي القضاة بإمارة أفغانستان الإسلامية الشيخ الحقاني الأفغاني، لمفهوم الأمة الواعدة في صورتها الحضارية والثقافية والتاريخية والعقائدية، ولم يُهمل أسماء قضاة الأندلس، بل تَرجم لهم، كالقاضي يحيى بن يزيد، وعبد السلام بن سعيد، ومصعب بن عمير، ومحمد بشير المعافري، ومعاوية بن صالح الحضرمي، والفرج بن كنانة، ومنذر بن سعيد وغيرهم.

8 ـ القضاء في العهد العثماني

بعد ذلك، ذهب بنا قاضي القضاة الحقّاني إلى تاريخ القضاء في العهد العثماني، وافتتح حديثه، بكلمات رصينة، وأحكام عادلة عن الدولة العثمانية، فقال: واتفق العلماء على أن من وقف على سِير الدولة الإسلامية، يعلم أن الدولة العثمانية، من أحسن سِير الدول الإسلامية، بعد الدولة الراشدية؛ لأنهم متمذهبون بمذهب أهل السنة، صحيحو العقيدة، ناصرون لأهل السنة، قائمون بتعظيم الصحابة، وأهل البيت والعلماء الصلحاء، ولهم فتوحات شهيرة، وهم أصحاب الجهاد والغزوات.

كما أنه ترجم للسلاطين العثمانيين، وتحدث عن شروط القاضي، في العهد العثماني، والجهاز القضائي، وتعدّد درجات القضاء، وحصر القضاء في المذهب الحنفي، وإنشاء مدرسة القضاء الشرعي، وذَكر بعض قضاة العهد العثماني.

يعتبر كلام قاضي القضاة عبد الحكيم الحقاني، سياجاً متيناً لهذا الجيل، والأجيال القادمة، وفقه ميزان رشيد، في كشف الحقائق، والدفاع عن تاريخ هذه الدولة السُّنية، التي تعرضت للتشويه في الماضي والحاضر، من أقلام كتب الغرب الأوروبي، والقوميين العرب، وأتباعهم من العلمانيين، وأولئك المنغمسين في ثقافة الحضارة الغربية المنحرفة، والبعيدة عن الإنصاف والحكم بالعدل كما نجد ذلك في كتابات المستشرقين، وأهل الزيف، وأعوان الاستعمار.

9 ـ القضاء في ظل حكم الإمارة الإسلامية في أفغانستان

ختم الشيخ العلامة عبد الحكيم الحقاني الأفغاني هذا التطواف التاريخي، بالحديث عن تاريخ القضاء في أفغانستان، وعَرَّف بالقطر الأفغاني، ولماذا سميت بأفغانستان، وطبيعة سكانها وأحوالهم، والقضاء في زمن السلطان أبو القاسم محمود الغزنوي (971 ـ 1030م)، وفي عهد أحمد شاه مسعود (1724 ـ 1773م)، وفي عهد شاه محمود، وتتبع تاريخ القضاء في بلاده، إلى عهد الإمارة الإسلامية الحاكمة في أفغانستان، وأشار إلى دوافع قيام الإمارة الإسلامية، وعن التدخل الأمريكي وحُلفائه، وجهاد الأفغان الطويل، بقياده المجاهد الملّا عمر محمد عمر، واستمراره في الجهاد حتى بعد وفاته، والتفاف الشعب حول قيادته، وتطور القضاء في أيام الإمارة الإسلامية، وأبرز المستجدات في عهد الشيخ المجاهد هبه الله أخوند زاده (2016 وحتى الآن) في المؤسسة القضائية، وتحدث عن وظائف المحاكم وتشكيلها، ووظيفة الإدارة المالية، ووظيفة المحكمة الابتدائية، ووظيفة محكمة المرافعة، ووظيفة التمييز، ووظيفة المحكمة النظامية، ووظيفة محكمة الاحتساب، وعن معايير تعيين القُضاة في الإمارة الإسلامية، وتحدث عن اهتمام أمير المؤمنين هبه الله بالقضاء والقضاة، وحِرصه على إكمال حوائج القضاة، باهتمام زائد، وتطبيق الأحكام الشرعية، ويَحتاط في تطبيقها زياده احتياط، حتى أصدر مكتوباً يَمنع إجراء حكم القتل، إلا بعد إِعلامه، وإذنه، لما رأى من تغيير حال قضاة الزمان، كما منع عمر بن عبد العزيز (رحمه الله) في إمارته، عماله عن القتل، إلا بعد إعلامه، وإذنه به، بعد أن كان مطلقاً لهم لما رأى من تغيير حالهم.

إن النظام الإسلامي منوط به تحقيق العدل، بين الناس جميعاً، في مختلف أوجه الحياة، فالعدل القضائي المقصود منه: القناعة بأن أفراد المجتمع البشري كلهم من حيث الإنسانية، والكرامة، والحقوق متساوون، وكلهم طبقاً لهذا متساوون أمام القانون، ولهذا يجب على القضاء إعادة الحق للشخص الذي تم التجاوز، والاعتداء على حقوقه.
إن القضاء في الإمارة الإسلامية في أفغانستان، خاضع لأحكام الشريعة الغرّاء، وتسعى لتعميم العدل بين الناس، ورفع الظلم، وعقيدة الحكام في الإمارة الإسلامية في تطبيق الشريعة الإسلامية، لا تتزعزع، وغير قابلة للنقاش، ولديهم رؤية متعلقة بالقوانين الوضعية، فإذا جاءت مخالفة للقرآن والسنة، أو خارجة عن مبادئ الشريعة العامة، وروحها التشريعية الهامة، فهي باطلة بطلاناً مطلقاً، وليس لأحد أن يطبقها، ويستدل قاضي القضاة الشيخ عبد الحكيم الحقاني في كتابه، عن بطلان القوانين الوضعية المخالفة للشريعة الإسلامية، بنصوص القرآن والسنة، والإجماع، فبين بأن نصوص القرآن والسنه صريحة في إبطال كل ما يخالف تعاليم الإسلام، ومن ثم انعقد الإجماع على احترام هذه النصوص الصريحة، وإبطال كل ما يخالفها، وفيما يلي بعض الأدلة التي استدل بها:

قال تعالى: "ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" (الجاثية: 18). فقسم الأمر بين الشريعة التي جعل رسوله الكريم عليها، وأوحى إليه العمل بها، وأمر باتباعها، وبيَّن اِتباع أهواء الذين لا يعلمون، وأمر بالأول، ونهى عن الثاني، واستدل بنصوص القرآن الكريم، وهكذا قطعت الشريعة بنصوص القرآن بتحريم كل ما يخالف نصوص الشريعة، صراحة أو ضمناً، وكل ما يخالف مبادئها العامة، أو روحها التشريعية، متبعاً هواه، ومنقاداً إلى الضلال، ظالماً لنفسه ولغيره، كافراً بما أنزل الله، متخذاً لنفسه أولياء من دون الله.

وفي كتابه، تبين السُّنة حدود الطاعة لأولياء الأمر، ونهت عن طاعتهم، فيما يخالف ما أنزل الله، وقد صحّ عن رسول الله ﷺ، أنه قال: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقال ﷺ: إنما الطاعة في المعروف، وقال: إن إجماع الأمه الإسلامية انعقد بعد وفاه الرسول ﷺ، على أنه لا طاعة لأولي الأمر إلا في حدود ما أنزل الله، وفقهاء الأمه ومجتهدوها مجمعون، على أن الطاعة لا تجب إلا في فيما أمر الله، ولا خلاف بينهم، قولاً واعتقاداً، في أنه لا طاعة لمخلوق في معصيه الخالق.

10 ـ أهمية المؤسسة القضائية في الدولة الحديثة

إن الإهتمام بالمؤسسة القضائية، وتطويرها من دعائم الدولة، التي تسعى لإقامه العدل، ورفع الظلم، وبسط الأمن. فالقضاء هو صمام أمان المجتمع، بكافة مؤسساته وأفراده، وضمان جوهري لاستقراره، وحفظ حقوق أفراده، فالعدل هو ميزان الله في الأرض، الذي يؤخذ به للضعيف من القوي، وللمحق من المبطل، وإعطاء لكل ذي حق حقه.

إن النظام الإسلامي منوط به تحقيق العدل، بين الناس جميعاً، في مختلف أوجه الحياة، فالعدل القضائي المقصود منه: القناعة بأن أفراد المجتمع البشري كلهم من حيث الإنسانية، والكرامة، والحقوق متساوون، وكلهم طبقاً لهذا متساوون أمام القانون، ولهذا يجب على القضاء إعادة الحق للشخص الذي تم التجاوز، والاعتداء على حقوقه.

إن الإسلام اهتم بالقضاء اهتماماً كبيراً، وله في الشريعة الإسلامية مكانة رفيعة، فهو فرض وعبادة، بل من أقوى الفرائض، وأشرف العبادات بعد الإيمان بالله تعالى، لأن المظلومين يلجأون إليه لكي ينصفوا في مواجهه الظالمين، والناس يحتاجون إليه في تنفيذ الأحكام، وقطع المنازعات، والفصل في الخصومات، وإسناد الحقوق إلى أصحابها.

إن كتاب قاضي القضاة العلامة الشيخ عبد الحكيم الحقاني، تتمه النظام في تاريخ القضاء في الإسلام من العهد النبوي إلى عهد الإمارة الإسلامية، له أهمية بالغة في محتواه، ومتميز في تبويبه، وتسلسله التاريخي، وهو إضافة نوعية للمكتبة الإسلامية، وذو فائدة كبيرة لطلاب العلم، والمهتمين بالقضاء الذي جمع صاحبه بين التنظيم والتطبيق، وخاصة لو أخذنا بعين الاعتبار من كاتبه، وهو قاضي القضاة في في دولة وليدة مثل أفغانستان، وكأنه يرسم خطة يحتذى بها في كيفية توفير الأمن والاستقرار، وتحقيق العدالة الاجتماعية في الدولة الحديثة المسلمة، وبالتالي طرحه بهذه الطريقة مهم في زمن ساد فيه الظلم والفساد والاستكبار. كما يدخل الكتاب ضمن المساعي العظيمة، لإعادة دور الشريعة الإسلامية في حياة الناس، من خلال سلطات الدولة التي تستمد سلطاتها من المرجعية القرآنية والنهج النبوي، بقوله تعالى: "الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ" (الحج: 41).

نسأل الله عز وجل بأسمائه الحسنى، وصِفاته العليا، أن يتقبل من قاضي القضاة العلامة الشيخ عبد الحكيم الحقاني الأفغاني، عمله، وجهوده المبذولة لإقامة العدل بين الناس، وتبليغ الدعوة لله، ومناصره كتاب الله، وسنة رسوله الكريم ﷺ.

اقرأ أيضا: القضاء في الإسلام من العهد النبوي إلى عهد الإمارة الإسلامية.. قراءة في كتاب (1من2)