اقتصاد عربي

اضطراب في سوق الدولار بمصر.. ماذا وراء تجاوزه حاجز الـ60 جنيها؟

قام البنك المركزي المصري بخفض قيمة الجنيه 3 مرات منذ آذار/ مارس 2022- عربي21
عصفت تقلبات بسعر صرف الدولار مقابل الجنيه بالأسواق المصرية خلال اليومين الماضيين، في أعقاب حدوث ارتفاعات سريعة ومتتالية للدولار مقابل الجنيه في بضع ساعات، ما أثار علامات استفهام حول فقدان السيطرة على السوق الموازي والمتحكم الفعلي في سعر الصرف.

وقال متعاملون في السوق السوداء إن "السوق تعرض إلى أشبه ما يكون بعملية الصدمة خلال ساعات قليلة مساء الخميس الماضي، حيث كان يجري تداول سعر الدولار ما بين 58 جنيها و59 جنيها قبل أن يقفز إلى 64 جنيها، دون معرفة السبب وسط طلب كبير على الدولار".

وأوضح أبو شحاته أحد تجار العملة لـ"عربي21": أن "هذه التحركات المريبة أثارت القلق والفزع في السوق الموازي، بعد أن ترددت أنباء عن قيام البنك المركزي بشراء كميات ضخمة من الدولار، من أجل جمع مستحقات على مصر الأيام المقبلة".

ووفق البنك المركزي المصري، يصل إجمالي الالتزامات الخارجية بما في ذلك الأقساط وفوائد الديون إلى نحو 42.3 مليار دولار خلال عام 2024، بخلاف الفجوة التمويلية الضخمة التي تواجهها مصر خلال الفترة المقبلة.



وتقدر الحكومة المصرية حجم الفجوة التمويلية للعام المالي الحالي 2023-2024 ما بين 6 إلى 8 مليارات دولار، سيتم سدها بإصدار سندات دولية وتمويلات من بنوك بضمانات، فيما يقدّر معهد التمويل الدولي حجم الفجوة التمويلية بنحو 7 مليارات دولار.

وأعرب تاجر آخر عن استغرابه من التسارع الكبير في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، وقال: "لا أعرف لماذا حدثت هذه القفزة الكبيرة في ساعات قليلة، ولكنه عاد واستقر قرب 60 جنيها ولكن المؤشرات تؤكد أن الدولار سوف يدخل نطاق الستين جنيها لفترة زمنية قد تصل إلى شهر مقارنة بالنطاقات الماضية".

ولفت في حديثه لـ"عربي21" إلى أن "مصر لم تشهد مثل هذا التسارع الكبير حتى في أعقاب تعويم عام 2016 الذي استمر تذبذب سعر الصرف فيه بضعة أشهر قبل أن يستقر، لكن هذه المرة هذا التذبذب مستمر منذ نحو عامين"، مشيرا إلى أن "الجنيه هبط من منتصف ديسمبر إلى منتصف يناير 20% وهبط 45% منذ بدء الحرب على غزة".

ودأب البنك المركزي على طبع المزيد من النقود، وقفز المعروض النقدي (ن1) 37.7 بالمئة في اثني عشر شهرا حتى نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر من أجل تمويل عجز الموازنة، بحسب "أكسفورد إيكونوميكس"، ما يزيد من احتمالات إجراء تخفيضات أخرى في قيمة العملة هذا العام.


تصنيف سلبي وخروج من سوق السندات
وفقا لموقع "بلومبيرغ"، اقترضت الحكومة المصرية بالعملة المحلية عبر أذون الخزانة ما يصل إلى 2.7 تريليون جنيه، ما يعادل 87 مليار دولار (الدولار يعادل 30.9 جنيها رسميا) في النصف الأول من السنة المالية 2023-2024، متجاوزة بذلك إجمالي ما تستهدفه بـ26 بالمئة.

يأتي هذا الاضطراب في سوق سعر الصرف في أعقاب خروج مصر من مؤشر جيه بي مورغان لسندات حكومات الأسواق الناشئة وتغيير وكالة موديز للتصنيفات الائتمانية نظرتها المستقبلية لمصر، من مستقرة إلى سلبية، وأكدت التصنيف الائتماني لمصر عند "Caa1".



وحذرت الوكالة من أن هناك مخاطر متزايدة، تتمثل في استمرار ضعف الوضع الائتماني للبلاد، وسط صعوبة إعادة التوازن للاقتصاد الكلي وسعر الصرف.

ضغوط كبيرة على الجنيه
أكثر من 60 بالمئة من إيرادات الدولة تذهب إلى مدفوعات الفائدة في السنة المالية المنتهية في تموز/ يونيو 2024، بالتالي لا يترك للحكومة مرونة مالية كافية للاستجابة للصدمات، بما في ذلك الصدمات الناجمة عن الحرب في غزة.

وقام البنك المركزي المصري بخفض قيمة الجنيه 3 مرات منذ آذار/ مارس 2022، تحت وطأة شح النقد الأجنبي، وفقدت العملة المحلية أكثر من نصف قيمتها مقابل الدولار بالسعر الرسمي في البنوك المحلية وأكثر من 100% بالسوق الموازي.

في ظل عدم وجود احتياطي نقدي قوي، والبالغ نحو 35 مليار دولار معظمه ودائع عربية، يدافع عن الجنيه، وارتفاع حجم الدين الخارجي إلى 164.5 مليار دولار، وارتفاع تكلفة الاقتراض وصعوبة الوصول إلى أسواق الدين الدولية يظل الجنيه المصري تحت ضغوط لا يمكن مقاومتها.

في تقديره لتطورات سعر صرف الدولار مقابل الجنيه في السوق الموازي، يقول الخبير الاقتصادي ورجل الأعمال، الدكتور محمد رزق: "هذا مؤشر واضح على أن الدولة فقدت السيطرة تماما على الدولار في السوق المصري لأنها تعتبر أكبر زبون لدى تجار العملة وتشتري بأسعار أعلى بكثير من أسعار السوق الموازي لأنها تحتاج إلى كميات كبيرة تقدر بمئات ملايين الدولارات".

واعتبر رزق في حديثه لـ"عربي21": "أن الحديث عن حدوث انفراجة كبيرة في حال تم التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي على استكمال برنامج حزمة المساعدات المقدرة بـ 3 مليارات دولار ومضاعفة هذا المبلغ لمجابهة تأثيرات الحرب في غزة، هو مجرد مسكنات مؤقتة وسوف تبتلعهم فوائد وأقساط الديون في فترة وجيزة، وبالتالي ستعود مرة أخرى للسوق السوداء".

وقدر حجم الدولار في السوق الموازي "بنحو 9.5 مليارات دولار شهريا، والبنوك المحلية لا تجد من يعطيها الدولار أو يقوم بتحويل أمواله من الدولار للجنيه بسبب سعرها المتدني البالغ نحو 31 جنيها وليس من المعقول أن يترك أي شخص عاقل 61 جنيها في السوق السوداء من أجل سواد عيون الحكومة والنظام المصري الذي بدد أموال وثروات الشعب في مشروعات لا جدوى منها".

المسار البديل للبنوك المحلية
تقول سيدة في العقد الخامس من عمرها من أحد مكاتب الصرافة غير الرسمية بمحافظة الجيزة لـ"عربي21": "أستقبل حوالات من زوجي بالدولار بشكل شهري من البنك الأهلي وأقوم بتغييرها من هنا بسعر أعلى بكثير من سعر البنك، لا يمكن قبول سعر البنك أبدا، أولادي أحق بهذا الفارق، وزوجي يعمل هناك لينفق على أسرته وليس كي يساعد الحكومة".

وانخفضت تحويلات المصريين، أحد أهم مصادر النقد الأجنبي بالبلاد خلال السنة المالية 2023/2022 بنسبة 30.8% على أساس سنوي، بعد أن تراجعت التحويلات إلى 22.1 مليار دولار، مقابل 31.9 مليار دولار في السنة المالية السابقة 2022/2021.

ومثلت نسبة تحويلات المصريين بالخارج من إجمالي مصادر النقد الأجنبي الرئيسة بمصر خلال عام 2022-2023 نحو 23.5%، وجاءت في الترتيب الثاني لمصادر النقد الأجنبي، وسط مخاوف من تراجع إيرادات قناة السويس والسياحة والصادرات بسبب التطورات الجيوسياسية في المنطقة.