قضايا وآراء

رفح وانتظار المذبحة من مسافة قريبة

ويستمر "التحذير من مذابح ستطال مدينة رفح في غزة والاستكانة لعبارات أمريكية وغربية وعربية ممجوجة"- إكس
الباب ما زال مفتوحا على مسلسل جرائم الإبادة في غزة، فشل العالم منذ سبعة أشهر بإغلاقه ووضع حد لشهية صهيونية متزايدة بالإبادة، ومع حبس الأنفاس اليوم، يترقب المجتمع الدولي والعالم العربي ساعة الصفر التي ينوي بنيامين نتنياهو الإعلان عن بدئها في مدينة رفح، وسط الأخبار المتواترة يوميا عن تحضيرات الحكومة الصهيونية لاجتياح المدينة بعد سلسلة من المجازر المستمرة منذ سبعة أشهر في قطاع غزة، ونزوح نصف السكان للجنوب، واستمرار دوران مدحلة الفاشية الإسرائيلية على الأرض، وتنفيذ جرائم حرب وإبادة شاملة..

يقفز العالم المتحضر بخطى عرجاء عن معاناة الشعب الفلسطيني الذي يئن تحت وطأة الدمار والحصار والقتل والتجويع. والمجرم الذي امتدت يده منذ سبعة أشهر لتحرق وتدمر المشافي والكنائس والمدارس والمساجد وقتل وجرح أكثر من 120 ألفا من النساء والأطفال والشيوخ، هو نفسه المجرم الذي يهدد أكثر من مليون غزاوي اليوم أمام كل العالم بمصير مشابه لما حدث لأشقائهم وأبنائهم ولمن نجا منهم من طوق الإبادة المطبق عليهم.

هذه الجرائم تتحمل مسؤوليتها دول كبرى على رأسها الولايات المتحدة التي تمد المجرم بالسلاح وبالقرار السياسي وبكل الإمكانات المادية، ويتحمل مسؤولية الجريمة المرتقبة في رفح أيضا عالم عربي مفضوح حتى العظم بعجزه وتآمره ومشاركته بالجريمة. فمن غير المعقول أن تكون هذه الجرأة الصهيونية ماضية بنفس الطريق الطويل بدون أن تستمد زادها الوفير بالقتل من المواقف العربية العاجزة والمتواطئة، بينما يدفع الشعب الفلسطيني الدم كل يوم للدفاع عن أرضه وحقوقه.

وهنا مكمن الجريمة، عندما نرى ونسمع أوهاما وأيادي عربية تصافح المجرمين وابتسامات عريضة تنقلها شاشات التلفزيون للصداقات والتطبيع وتسريب خطط عنها لمرحلة ما بعد القضاء على مقاومة الشعب الفلسطيني وإجهاض حقوقه، فكم يؤلم مشهد الحال العربي والفلسطيني الرسمي أمام أهوال الجرائم الصهيونية في غزة وفي بقية المدن الفلسطينية المحتلة، وكم يسمع الشعب الفلسطيني من التضليل عن تحقيق السلام المزعوم الكاذب، بينما المرارة تنتابه كل يوم من تطبيق سياسة الفصل العنصري عليه ومن سياسات السطو على أرضه وقتله وتشريده.

فالشعب الفلسطيني اليوم، يعي تماما أن جرائم الإبادة في غزة أسقطت أولا وقبل كل شيء، البناء النظري الذي استمد قوته الوهمية من حالة الانهيار العربي حول فلسطين وأسسه المتهالكة في أنظمة عربية مستمرة بالاستناد على سياسة أمريكية صهيونية تنتج الوهم للعرب، وتبقي الأرض والحقوق الفلسطينية نهبا لأطماع صهيونية واضحة في الإبادة.

نرى ونسمع أوهاما وأيادي عربية تصافح المجرمين وابتسامات عريضة تنقلها شاشات التلفزيون للصداقات والتطبيع وتسريب خطط عنها لمرحلة ما بعد القضاء على مقاومة الشعب الفلسطيني وإجهاض حقوقه، فكم يؤلم مشهد الحال العربي والفلسطيني الرسمي أمام أهوال الجرائم الصهيونية في غزة وفي بقية المدن الفلسطينية المحتلة، وكم يسمع الشعب الفلسطيني من التضليل عن تحقيق السلام المزعوم الكاذب، بينما المرارة تنتابه كل يوم

وعليه، إذا كان مطلوبا أن تكون نواة إنقاذ فلسطينية ينتظر تشكيلها أو الإعلان عنها هي المخرج المنتظر من حالة الانهيار، فهذا يتطلب تحمل مسؤولية وطنية كبرى تقع على عاتق الكل الفلسطيني، والذي يشكل حجر الزاوية والأساس النظري والموضوعي لإفشال ما يتربص بالشعب وقضيته، خصوصا بعد اتضاح كل مشاريع الوهم السياسي، ومقاصد سياسة جرائم الإبادة والتطهير العرقي للفلسطينيين، وانطلاقا من استخلاصات تجربة فلسطينية وعربية، واستكمالا لما حذر منه على مدار عقود من المعاناة المريرة للشعب الفلسطيني، فقد آن أوان التخلص من عقدة التشرذم الداخلي.

وقد يقول قائل: كم من المرات التي صدحت فيها مطالب تصويب الأوضاع الفلسطينية الداخلية، وأن هناك بونا شاسعا بين استراتيجية الإمساك بأوهام "السلام" وبين رؤية الأوضاع على الأرض وطرق مواجهتها؟ لكن ينبغي النظر لاستحقاق مثل ما يجري في غزة، وما يحضر لرفح وما يجري في بقية مدن الضفة، وبقراءة أعمق لما يصدر من أقطاب الفاشية الصهيونية في حكومة نتنياهو وبطريقة مختلفة عن القراءة الفلسطينية الرسمية والعربية الجافة والجارحة، ويفترض بذلك فلسطينيا من يدعي حرصه على حقوق شعبه وعلى مجابهة العدوان عن شعبه أن يغادر عقليته السابقة المدمرة لهذا الحق والتي أدت إلى ما نحن عليه الآن في الضفة والقدس وغزة.

أخيرا، يجب التنبه إلى مسألة التحذير من مذابح ستطال مدينة رفح في غزة، والاستكانة لعبارات أمريكية وغربية وعربية ممجوجة درجت عليها كل الأطراف منذ سبعة أشهر؛ وأكدت نتائجها الصهيونية على الأرض صحة المواقف التي ذهب إليها الشعب الفلسطيني ومقاومته، وأن المسافة التي قطعها الشعب الفلسطيني منذ أوسلو حتى "طوفان الأقصى" مسافة كبيرة لا بمقاسات الزمن وحسب وإنما بمقاسات القيم والحقوق واختلاف الأدوار والمواقع، ولمن يريد أن يقيس ذلك بإمكانه أن يمد بصره نحو كولومبيا ونيكاراجوا وجنوب أفريقيا وإلى جامعات غربية وشوارع ومدن حول العالم، ولعواصم عربية تقهر كل يوم وهي على مسافة قريبة من الإبادة.

twitter.com/nizar_sahli