كتاب عربي 21

وترى الناس سكارى وما هم بسكارى..

طارق أوشن
1300x600
1300x600

أمام جمع من مريدي الجامع يسترسل الخطيب: هذا غضب من الله وهذا هو العذاب في الدنيا قبل الآخرة. احنا قلنا إيه قبل كده؟ قلنا أنو ممكن ربنا يعذب عباده الظالمين في الحياة الدنيا قبل الآخرة، وضربت لكم مثالا بقوم فرعون إيلي ربنا غرقهم في البحر، وقوم نوح إيلي جاب ليهم المية لغاية عندهم علشان تغرق الزرع والأرض وتغرقهم كلهم ما عدا أصحاب السفينة المؤمنين المختارين، وقوم عاد الذين أرسل عليهم ربنا ريحا صرصرا عاتية، وقوم ثمود الذين أخذتهم الصيحة. إن بطش ربك لشديد. شوفوا بقه احنا ربنا ابتلانا بإيه؟ استغفروا الله عباد الله وتوبوا إليه واطلبوا العفو منه علشان نرجع زي ما كنا.

ويواصل القسيس على نفس المنوال وهو يلقي موعظته داخل الكنيسة: وعلينا أن نتذكر دائما أن الرب دائما وأبدا هو السبب في الخير الذي نحن فيه، ونحن البشر دائما وأبدا السبب في الشر الذي يلحق بنا وعلينا أن نسأل أنفسنا: أي فعل آثم أتينا به حتى تلحق بنا تلك المصائب المدمرة؟

والمشهدان من فيلم النوم في العسل ـ 1996، للمخرج شريف عرفة والكاتب وحيد حامد، حيث يقوم العميد مجدي نور، رئيس مباحث القاهرة، بجولة استقصائية في مختلف مناطق العاصمة، كما أمره وزير الداخلية، بحثا عن دليل يؤكد ما ذهب إليه في أن المجتمع القاهري يعيش تحت وطأة ما اعتبره "وباء" تمثل في حالة عجز جنسي عام.

تاريخ البشرية مع الأوبئة طويل. لكنه في الأول والآخر إثبات على القدرة على مواصلة الحياة والإفلات من الفناء. ولعل فيما يشهده العالم في الأسابيع الأخيرة من "فوضى" عارمة، لم تستثن من آثارها بلادا أو شعبا أو قطاعا اقتصاديا، دليل على حالة العجز التي يعيشها الإنسان، في مواجهة عدو غير مرئي لا يجد، لحد الآن من سبيل للإفلات من قبضته، غير الاحتماء بجدران البيوت وهجر الفضاءات العامة وتحويل المدن الضاجة بالحياة إلى مجرد شوارع أشباح.

 

من التين الأصفر كانت البداية


كانت الانطلاقة من الصين، فاعتبر العالم الغربي الأمر فرصة مواتية للضغط على التنين الأصفر أو وقف زحفه على الأخضر واليابس المستمر منذ سنوات. أخطأ العالم في التقدير، وصار اليوم ينظر إلى بيكين كمصدر إلهام بل مصدرا للمساعدات الطبية، وآخرها كان مليون كمامة لباريس "الأنوار" ومساعدات من العملاق "علي بابا" للبلدان الأفريقية كافة دون استثناء. 

أمريكا دونالد ترمب، التي تدعي زعامة العالم، لم يجد رئيسها غير الدعوة ليوم صلاة وطني وهو الذي يمنع عن إيران سبل مقاومة الفيروس القاتل بتكريس العقوبات الاقتصادية وتوسيعها، تماما كما يفعل البنك الدولي الرافض لمنح خصم مناوئ آخر للسياسة الأمريكية قرضا لمقاومة الوباء بدعوى الشك في شرعية رئاسة مادورو. 

 

في الجغرافيا العربية يتحالف الفيروس القاتل مع تجار الدم لتدمير قدرات الأمة الاقتصادية وحصد الأرواح


أما أوروبا، التي صارت بؤرة تفش هائلة للمرض، فلا يجد زعماؤها غير التصريح بالاستسلام الضمني للفيروس الذي لن تسلم منه، حسب تصريحاتهم المتتالية، إلا نسبة قليلة من ساكنة، ظنت حتى عهد قديم أن منظومتها الطبية والاجتماعية أقوى من أن ينال منها "عارض" طارئ أصغر من أن يرى بالعين المجردة، فصارت اليوم مجرد مصدر لأرقام مصابين وموتى بالآلاف والقادم أسوأ بكثير.

لقد ظل الدين على الدوام ملجأ للمؤمنين، لا ريب، لكنه في الآن ذاته دوما ملجأ العاجزين. دول الغرب المتباهية بعلمانيتها التي تفصل بين شؤون الدولة والدين، تقف اليوم مشدوهة أمام شعوب لا تجد غير الدعاء سبيلا للأمل في فرج قريب. البابا فرانسيس يصرح لجريدة إيطالية قائلا: طلبت إلى الرب وقف الوباء. يا ربي أوقف الوباء بيدك. هذا ما صليت من أجله. وضدا على كل التوصيات العلمية دعا إلى العناق بين الأحبة رفعا للمعنويات.

الفيروس اللعين بالنسبة لترامب "فيروس صيني". ليكن الأمر كذلك، لكن الضحايا بجنسيات المعمورة دون استثناء. وفي الدول العربية حيث لا شيء يعلو على الخرافة عند الشعوب وعلى الأكاذيب والتضليل عند الحكومات، انشغال بحصر الأعداد دون قدرة على فعل أو مقاومة أو أمل في علاج أو دواء لا يمكن أن يصدر إلا من هناك، بعيدا، حيث للعلم مكانة محفوظة رغم كل الآلام والخسائر الفادحة في المال والأرواح. 

 

العرب وكورونا

هنا في الجغرافيا العربية يتحالف الفيروس القاتل مع تجار الدم لتدمير قدرات الأمة الاقتصادية وحصد الأرواح. هنا لا تزال دولة الإمارات مشغولة بتوريد السلاح للانفصاليين باليمن الجنوبي ولمجرم الحرب ببنغازي الليبية على أمل "فتح" طرابلس واستعادة باب العزيزية مركزا لإشعاع الخرافة كما كان في عهد ملك ملوك إفريقيا المغوار. أما محمد بن سلمان، فلا وباء ولا جائحة تشغله عن محاولة الظهور بمظهر الرجل القوي في بلاد الحرمين ولو أدت حربه في سوق النفط إلى إفلاس السعودية أو زيادة معاناة المواطنين إرضاء لغرور شخصي ورغبة جامحة في اعتلاء الحكم قبل الأوان. 

وفي البقية الباقية جيوش تنحصر وظيفتها في محاصرة المدن والسكان، أو العمل كفيروس اقتصادي يتخذ من الوباء "سبوبة" لبيع مواد التعقيم والاستئثار بتعقيم الجامعات والمدارس على حساب الوزارات المعنية طبعا. الجيش الأمريكي وإمكانياته موضوعة رهن إشارة الولايات المتضررة وتنتظر إشارة من قائدها الأعلى، وهي الإشارة التي تلقاها الجيش الفرنسي فبادر إلى توفير خمسة ملايين كمامة وطائرات حربية لنقل المرضى والمصابين. أما "ملحمة" الصين الشعبية فالجيش الصيني قائدها الذي بدونه ما كانت ووهان لتبقى. 

في فيلم الإرهاب والكباب ـ 1992، للمخرج شريف عرفة والكاتب حميد حامد، يبحث المواطن أحمد فتح الباب عن الموظف مدحت الغائب عن مكتبه بالمجمع الحكومي بدعوى إصابته بإسهال استدعى ذهابه للحمام.

داخل الحمام ينادي أحمد بأعلى صوته،

أحمد فتح الباب: يا أستاذ مدحت.. يا أستاذ مدحت..

مواطن (يخرج من المرحاض مفزوعا): فيه إيه؟ فيه إيه يا أخينا؟

أحمد فتح الباب: حضرتك الأستاذ مدحت؟

مواطن: لأ.. أنا مش الأستاذ زفت.

أحمد فتح الباب: طيب.. أنت زعلان ليه؟

مواطن: زعلان عشان الهيصة.. يا أستاذ يا حبيبي، هذا بيت الراحة. لازم تدخل بهدوء عشان الناس تاخد راحتها.. في أوروبا والدول المتقدمة يا مغفل، الناس بتخل البيت ده على أنغام الموسيقى..

 

كورونا قد يكون عقابا إلهيا أو جندا من جنود الله أرسله على من تجبر وعصا انتقاما. لكن علاجه في العلم ومراجعة السلوكيات اليومية واستحضار المصلحة.


في الأسابيع الأخيرة، أظهرت تصرفات الشعوب الأوروبية و"الدول المتقدمة" أن النفس البشرية، في وقت الأزمات، تعود لأنانيتها وتستدعي توحشها بزعم الرغبة في البقاء. الطوابير التي لا تنتهي أمام محلات البيع والشجارات التي وثقتها الكاميرات ولو على "ورق الطواليط" دليل آخر أن الفارق بين التحضر والوحشية خيط رفيع مرتبط بظروف الشدة والرخاء. وما الطبائع التي ترسخت في شعوبنا العربية، وإصرارنا المرضي على جلد الذات، إلا نتيجة للشدة التي ترزح تحت طائلتها منذ عقود. سلسلة الأكاذيب وتسلط الأنظمة الحاكمة وكبت الحريات لا يمكن إلا أن تفرز شعوبا لا ثقة لها في البيانات الرسمية، غير عابئة أو مستهترة أو راغبة في الانتقام من الذات والآخر أو رهينة للخرافة مستعدة للانتحار الجماعي.
 
بينما يعرض العميد مجدي نور، في فيلم النوم في العسل، خلاصة التحقيق الذي أجراه بخصوص حالة العجز الجنسي المتفشية كالوباء بين المواطنين، يصروزير الصحة على نكران وجود أية حالات سجلتها وزارته ويتفاخر بحرصه ومسؤوليته على صحة القطر المصري.

وزير الصحة: احنا الدولة الوحيدة ايلي بتقضي على الوباء قبل ما يظهر.

مصر ظلت لمدة طويلة ترفض الاعتراف بإصابة مواطنيها، بينما كانت الإصابات تلحق زائريها من الأجانب وتتكشف بعد العودة إلى الديار. نسي مسؤولو الصحة بالبلد أن الأزمنة تغيرت، وأن حبل النكران قصير تتكشف حقائقه يوم عن يوم، والخشية في أن يكون الوباء قد نال من المواطنين قبل أن الاعتراف بوجود حالات.

كورونا قد يكون عقابا إلهيا أو جندا من جنود الله أرسله على من تجبر وعصا انتقاما. لكن علاجه في العلم ومراجعة السلوكيات اليومية واستحضار المصلحة. غلق المساجد وتعليق صلوات الجماعة وصلاة الجمعة، في وقت يدعو فيه ترامب إلى الصلاة، إجراء طبيعي كما غلق الفضاءات العامة ومنع التجوال وغيره من القرارات. أما اعتبار ذلك ردة أو عملا غير شرعي فتخلف مقيت لا شك فيه.

التعليقات (0)