مدونات

صانعو السفينة

كاتب آخر
كاتب آخر
نحن أبناء الجمر ولدنا على هسيس النار..

كنا نحلم بالجنة كثيرا.. غنينا لها..

كنا نظن أن الوطن المقدس سينبع هناك على حافة أصواتنا المبحوحة..

أقول لأبي من سيسقي قبور أجدادنا هناك؟!

من يقرأ الفاتحة ويوزع الكعك صباح العيد عند لحودهم المنسية؟!

في ليلة شتوية في الثمانينات.. ودعنا جدي.. كان الثلج يهطل بغزارة.. والدنيا تتأوه صقيعا.. وسوريا مضرجة بالعذاب..

كنت صغيرة جدا أحمل لعبتي وأظن أنها أيام وسأعود.. لأقطف الخس.. وأركض في صالون بيت جدي يوم الجمعة.. ثم نعود مساء إلى بيتنا نائمين.. محمولين على أكتاف أخوالي..

لم أعرف يوما الحدود بين بيتنا وبيت جدي.. كان بيتي يمتد من جدران بيت جدي وحتى جدران بيتنا الذي يبعد ربما عدة كيلو مترات..

كنت أظن أن بيت جدي هو العالم.. هو الجنة وأنا لن آكل التفاحة المحرمة.. كي لا يخرجني الله من جنتي.. لكنني خرجت في ليلة شاتية.. هبطت من النعيم إلى الدنيا.. ولم أعد إلى ذلك البيت أبدا.. كبرت وأدركت أن بعض الدروب لا عودة منها.. وأن الحرية.. كانت تفاحتي المحرمة..

من الغريب فينا نحن أم قبورهم الغارقة في الصمت..؟!

حتى الموتى هناك في غربتهم سادرون..

بلاد ما عادت تصلح حتى للموت..

أتمتم: ربما يعود أحفادنا.. يغتسلون في الفرات.. يمرغون قلوبهم في ذاك الثرى ويسكبون فوق تلك الديار دمعة ساخنة..

يهمس بعض الأصدقاء.. ليت هذه الثورة لم تحدث!

أقول بضجر أنها سنن التاريخ.. هذه الثورة حتمية تاريخية.. كانت ستحدث لأن كل هذا الذل لا يليق بنا..

كانت لأن الجباه لا يليق بها إلا أن ترتفع عاليا..

لا تندموا على إنسانيتكم.. لن تستطيعوا أن تصادموا التاريخ والسنن..

لهذه الثورة سيطرة سحرية على قلبي.. كنت عاشقة.. وجدت في فكرة التحرر ولهها الخاص.. رؤيتها عن الحياة الحقة سمو الجنس البشري..

في كل جمعة كنت أخاف أن يتراجع السوريون.. ألا يقضموا التفاحة المحرمة..

أن يسقط منهم الحلم..

لكنهم يخرجون كالجان من ثقوب الغيم.. عطاش للمطر والحرية..

كانت تمطر دما.. فوق رؤوسهم لكنهم عشاق.. ما عاد العذاب يعنيهم..

هذه الثورة أمسكت بقلبي كما لم يفعل أحد.. قلبي البعيد.. تهاوى لهفة.. وجدت حبا ملأ جوانحي.. وبدا الطريق الوعر يغدو أكثر وضوحا..

بات الموت مدهشا.. كلما قتلوا.. زادت أعدادهم في الساحات.. وكأن سر الخلود في ذلك الذبح.. كأنهم.. الفداء.. عن ذل البشرية وعجزها وخنوعها..

لم ننهزم.. كنا الرقم المحال في متتاليات معقدة يسيطر عليها عالم تاه عن درب الصواب منذ أمد بعيد..

لم ننتصر إلى الآن.. لكننا قلنا لا.. وحركنا البحر وصنعنا السفينة!

* كاتبة وأديبة
التعليقات (0)