قضايا وآراء

لماذا كانت "بيرزيت" وما تزال "باروميتر" الحياة السياسية في فلسطين؟

خلدون محمد
1300x600
1300x600

حافظت جامعة بيرزيت منذ أيامها الأولى قبل خمسين عاما وحتى الآن على تقاليدها الديموقراطية الراسخة، ولم يتوقف إجراء الانتخابات الطلابية والنقابية فيها إلا في فترة الإغلاق القسري الطويل الذي استغرق السنين الخمس الأولى من الانتفاضة الأولى (1987- 1992).


طالما وصف المراقبون وكبار الصحافيين المحليين والأجانب منذ ثمانينيات القرن الماضي، انتخابات مجلس طلبة جامعة بيرزيت، بأنها "الباروميتر" الفاحص والعاكس لتفاعلات الحياة السياسية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

 

ويعود ذلك ليس فقط لتوسطها الجغرافي ووقوعها في مركز البلاد، ولا لأنها الجامعة الأولى، التي تأسست في تلك المناطق، بل لأن التفاعلات السياسية فيها هي الأكثر شمولًا وتفاعلًا وتمثيلًا لشتى الحساسيات وألوان الطيف السياسية المتواجدة على الساحة، ثم لطبيعة النخبة الأكاديمية التي أضفت حيوية على النقاشات والمساجلات والمناظرات السياسية في أروقتها وقاعاتها ومحافلها. ثم والأهم، تمتعها بهامش استقلالية ذاتية، فإدارتها هي من أهم مؤسسات "المجتمع المدني" التي نشأت وتطورت في ظل الاحتلال، وتابعت ذلك أيضًا في عهد السلطة الفلسطينية.


إن هذه الجامعة بمجلس أمنائها مع إدارتها التي يغلب عليها العنصر المسيحي، غدت ميزة إيجابية حيوية في ساحة كساحة الأراضي الفلسطينية المحتلة.

 

صحيح أن حجم الطائفة المسيحية الكريمة تضاءل منذ أواخر العهد العثماني، حيث شهدت مناطق التركز المسيحي هجرة دائمة، لكن الصحيح أيضًا بأن العلاقة بين الأقلية المسيحية والأغلبية المسلمة لم تشهد في سياقها الفلسطيني أي نزاعات أو تجاذبات هوياتية- نعروية، كما عليه الحال في مناطق بلاد الشام الأخرى، لا بل العكس فإن العلاقة الإسلامية – المسيحية في الحالة الفلسطينية شهدت التقاء وانسجاما وعملا وطنيّا مشتركا، سواء أيام الانتداب البريطاني أو الاحتلال الصهيوني.

 

ويبرز من صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية العديد من أسماء القادة والمفكرين المسيحيين، الذين كان البعض منهم من شدة التماهي يعتبرون كأنهم مسلمون. ولا أدل على ذلك من استغراب كثيرين عندما اكتشفوا أن الهوية المذهبية لصحافية الجزيرة المغتالة الشهيدة شيرين أبو عاقلة هي مسيحية كاثوليكية! ولطالما اعتقد بعض قارئي كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد بأن صاحبه اعتنق الإسلام من شدة منافحته عن الذات العربية- الإسلامية، ودحضه للمقولات الاستشراقية العادية. 


إننا نعتقد أن وجود جامعة بيرزيت، التي صدف أنها كانت الجامعة الأولى من حيث التأسيس، والواقعة في مركز البلاد الجغرافي والسياسي، بإدارتها ذات العنصر المسيحي البروتستانتي المشبع بالرؤى والقيم الليبرالية والديموقراطية الغربية (وهذه الإدارة شملت بين صفوفها أيضًا نخبة من المنحدرين من أصول مسلمة، لكنها تتشارك مع ذلك العنصر المسيحي بتلك القيم والمشارب الفكرية).. نعتقد أن هذه الجامعة بهذه الكيفية كانت دائمًا أرضًا خصبة لحرية التعبير عن الرأي، صدق ذلك عليها أيام الاحتلال، وصدق كذلك أيام وكلاء الاحتلال، فرغم الجدب والتصحّر الذي ضرب السياسة من حيث هي شأن عام، بعد دخول الضفة الغربية بعد أوسلو في "العصر العربي الرديء" الذي وفدت معه جميع الأمراض المتفشية في أنظمة الحكم واحتكار للرأي ومصادرة لحق التعبير عنه، والذي زاد على كل ذلك الالتحاق بالاحتلال وخدمته والتعاون معه..

 

رغم كل ذلك بقيت جامعة بيرزيت، ولأسباب عديدة عصية على التطويع، رغم المحاولة البائسة الأخيرة لفرض عميدة لشؤون الطلبة قادمة من صفوف الأجهزة الأمنية القمعية الوكيلة، لفرملة الحركة الطلابية وإخصائها، على الطريقة العربية المعروفة، والتي قام طلاب الجامعة في واحدة من أهم نضالاتهم المطلبية العنيدة بخلعها قبل شهور، وإحباط مخطط السلطة في تقويض الحريات العامة، وفي محاولة ضرب واحة الديموقراطية اليتيمة المتبقية، المتمثِّلة بجامعة بيرزيت، وفرض الطلبة معادلتهم في مواجهة السلطة، في حفاظهم على مكتسباتهم القديمة المستحقة. وما كان ذلك ممكنا؛ لولا مناخات هذه الجامعة الراسخة في حرية التعبير. 


نعم، إننا نعتقد أن وجود جامعة بيرزيت في مرحلة القمع السلطوي الأوسلوي الوكيل، مثّل واحة نابضة للديموقراطية وللحريات العامة، وسط هذا البؤس والقهر وتكميم الأفواه، وهو ما منحها فرادتها ومكانتها وجدارة دورها الذي طالما أدَّته في مراحلها المتعاقبة.


من الضروري الإشارة هنا إلى أن الإسلاميين في جامعة بيرزيت عانوا مظلومية وطنية وإنسانية ووجودية أحيانًا، في سني ما قبل عام 1987، وجوبهوا برد فعل سلبي منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، عندما تأسست الكتلة الإسلامية، ولم يشمل ذلك فرقاء الساحة السياسيين فحسب، بل شمل أيضًا بعض أطراف إدارة الجامعة آنذاك. ويعود ذلك في جزء كبير منه، إلى طبيعة مناخات تلك الأيام التي كانت لا تزال متأثرة بالدعاية الناصرية التي عملت على "تلطيخ" اسم الإخوان المسلمين بكل المعايب والشرور وشتى ألوان الافتراءات والشيطنة، فضلًا عن تمتع علمانيي تلك الأيام الذين غلب عليهم نوع من الثقافة الماركسية المُثقلة (التي كانت بصورة أخرى وكأنها وجه العملة الثاني للوطنية الفلسطينية)، والذين كانوا لا يخفون اشمئزازهم من الدين والتديّن بنوع من لغة تفوّق معنوي فائضة، اكتسبت صفات الادّعاء التي كانت تطغى على ألسنة يساريي تلك الأيام.

 

ولعلنا نجد أثر ذلك في اللغة التي تحدث بها د. جابي برامكي –القائم بأعمال رئيس الجامعة في تلك الفترة– في مذكراته، عندما تطرّق إلى ذكر تجربته وانطباعاته عن الإسلاميين آنذاك. ومع أن أبناء ذلك الجيل من الطلبة تحرروا من نظرتهم السلبية المعجونة بالعُقَد تجاه إسلامييهم، غير أننا نجد بعض كبار السن من "المتطرفين" العلمانيين، الذين حدَّثنا عنهم عزمي بشارة في كتاباته، بأنهم يرون في الإسلاميين خطرًا وعدوًّا لهم، بأكثر مما يرون الخطر والعداء مع "إسرائيل"!!


أذكر أنه ذات مناسبة عامة في عام 1986، تضمنت مشاركة جماعية للأطراف المختلفة في الجامعة، وأظهر طلاب الكتلة الإسلامية فيها انضباطية كبيرة ومسؤولية عالية –وهي سمة تمتعوا وعُرفوا بها حتى أيامنا هذه– جاء يومها عميد شؤون الطلبة – وكان يومها أحد أساتذة القانون من النخبة المسيحية التي تدير الجامعة – وأسرّ إلى اثنين من ممثّلي الكتلة الإسلامية بما كان قد استخلصه من حُكْم على الكتلة الإسلامية  -وكان مثل ذلك الحكم آنذاك يعتبر من وجهة نظر فرقاء الإسلاميين كنوع من الكفر والتجديف السياسي- قال يومها أمرين: أولًا، أنتم تجبروننا أن نحترمكم. وثانيًا، إن مسألة وصولكم إلى مجلس طلبة جامعة بيرزيت هي مسألة وقت ليس إلا!!


وبالفعل كان أول وصول للكتلة الإسلامية لمجلس طلبة جامعة بيرزيت في عام 1993، عندما تم التحالف مع طلبة الجبهة الشعبية في أول انتخابات جرت بعد العودة إلى مباني الجامعة إثر الإغلاق الطويل في الانتفاضة الأولى. ومن يومها، تعاظم حضور الكتلة الإسلامية ليصل في عام 2015 (العام التالي لمعركة العصف المأكول– 2014) إلى حصولها على الأغلبية المطلقة لوحدها من دون حلفاء لأول مرة، أما في هذا العام (العام الذي أعقب حوادث مهولة أحدثت جراحة في الوعي الفلسطيني، كان منها معركة "سيف القدس"، واغتيال السلطة لنزار بنات، وإلغاء الانتخابات التشريعية، والوطنية وغيرها وغيرها...)  فقد سجَّل فوز الكتلة الإسلامية الساحق الذي تفوقت فيه على جميع الكتل الطلابية المنافسة مجتمعة بأكثر من نسبة 10% (55% للكتلة الإسلامية، و45% لباقي الكتل) ليجعل هذا من الحدث حدثًا تاريخيًّا بكل المقاييس. 


قبل أوسلو، كان التعبير السياسي الأهم لسكان الأراضي المحتلة يتمثل في "الحركة الطلابية" الفلسطينية. حينها كانت هي من يكتب "متن" نصّ الخطاب السياسي، وتضفي عليه حيويتها وآفاقها الواعدة بالكامل، من خلال مؤسسات "الحكم الذاتي" المنقوص (رئاسة، مجلس وزراء، مجلس تشريعي... إلخ). ولكن ورغم الاهتراء السياسي الذي جاءت به أوسلو وبلوغه مرحلة ما بعد الإفلاس، بقيت بيرزيت كعادتها تحتفظ بنبضها وحيويتها وقدرة طلابها على كتابة متن النص السياسي المتجدد!


في عام 1988، كانت هناك محاولة لإدخال حماس في منظمة التحرير، وكان من بين الشروط التي طرحتها حماس هو أن تكون نسبة تمثيلها 40% يومها استكثر فرقاء الإسلاميين واستهولوا هذه النسبة، واعتقدوا أنها خيالية. والحقيقة أن موقفهم استند إلى نظرة استعلائية كانت تستصغر شأن هؤلاء القادمين الجدد، ولم تكن تستند إلى معطيات الواقع التي كانت "الصحوة الإسلامية" تسجلها آنذاك. فالواقع الذي استندت إليه حماس آنذاك هو معدل نسبة حضورها الانتخابي في الجامعات الفلسطينية الست، وكانت ساحة الجامعات آنذاك، هي الساحة الوحيدة التي تجري فيها انتخابات ذات مغزى سياسي.


كان معدّل النسبة المئوية التي تحصلت عليها الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت قبل عام 1987 هو في حدود ثلث أصوات القاعدة الطلابية (30-34%) ولا شك أنه جرت في النهر أحداث جسام، كان من بينها أن المهندس يحيى عياش رحمه الله كان أحد كوادر الكتلة الإسلامية المخضرمين (1984 – 1992) وكان لأمثاله من مؤسسي العمل الجهادي والانتفاضي من أبناء هذا الجيل وما تلاه من أجيال؛ الدور في تأسيس وعي طلابي عميق، وهذا كله راكم النسبة المئوية التي تحصلت عليها الكتلة الإسلامية عامًا بعد عام بنوع من الثبات المتصاعد لتصل هذه النسبة اليوم لملامسة الـ 60% تقريبًا. وكانت مثل هذه النتائج المتصاعدة تعرّي استطلاعات الرأي "الكاذبة" والمُموّلة من جهات مشبوهة.


من هنا، على المراقبين المهتمين بالشأن الفلسطيني أن يدرسوا نتائج الانتخابات الأخيرة في جامعة بيرزيت (التي كانت تعتبر فعلًا تاريخًا لفرقاء الإسلاميين) بعناية شديدة، لأن تفاعلات هذه الجامعة بالتحديد، كانت دائمًا باروميتر القياس الأكثر دقة في سياق فحص توجهات الرأي العام في الضفة الغربية المحتلة.

التعليقات (0)