كتاب عربي 21

"كرسي في الكلوب"!

سليم عزوز
تعامل النظام المصري مع تعويم الجنيه كأنه إنجاز- الأناضول
تعامل النظام المصري مع تعويم الجنيه كأنه إنجاز- الأناضول
استنفد النظام العسكري في مصر قدرته على صناعة الأمل طويل المفعول، فمهرجاناته ما عادت تطرب، وهي إن نجحت في أن تطرب الذين يستهويهم التعلق في "الحبال الدائبة"، فإن هذا لا يستمر طويلا!

في المهرجان الأخير، كان يمكن للقوم أن يستمروا في إقامة الأفراح والليالي الملاح لفترة أطول، لكن أفراحهم انتهت بزيادة أسعار الوقود إلى مأتم. وقد كانت البداية بصفقة رأس الحكمة مع الإمارات وما حققته من مليارات الدولارات، ثم تبع هذا موافقة صندوق النقد الدولي على طلب القرض، بجانب قروض ومساعدات جاءتهم من كل صوب وحدب!

واللافت هنا أن هذا النظام يتعامل مع القروض بحسبانها إنجازات له، ولهذا فمع كل قرض يقدم لهم فإن إعلامهم ينشر صورة للجنرال في الوضع مبتهجا ابتهاج افتتاحه لتفريعة قناة السويس، أو المؤتمر الاقتصادي، وغير ذلك من مشروعات تم بها إدخال الغش والتدليس على الرأي العام الذي انتظر الرخاء، وفي كل مرة تذهب العروس للعريس، ويبقى الجري للمتاعيس!

وهذه الصورة له بقلمه وهو في حالة الشعور بالانتصار لهذا الإنجاز، ليكون الإعلان عن موافقته الكريمة على القرض، وهي سياسة غير مسبوقة، فالقرض يكون بطلب، فما لزوم هذا الإعلان عن توقيعه بالموافقة؟
النظام يتعامل مع القروض بحسبانها إنجازات له، ولهذا فمع كل قرض يقدم لهم فإن إعلامهم ينشر صورة للجنرال في الوضع مبتهجا ابتهاج افتتاحه لتفريعة قناة السويس، أو المؤتمر الاقتصادي، وغير ذلك من مشروعات تم بها إدخال الغش والتدليس على الرأي العام الذي انتظر الرخاء
والأصل هو موافقة البرلمان، وليس سيادته، والموافقة ليست انتصارا على الأعداء، لأن القروض في مجملها هي أبغض الحلال، الذي قد تصبح في الحالة المصرية هي الحرام مكتمل الأركان، لا سيما أن هذه القروض هي لتسديد قروض قديمة، وأعباء الدين المتراكمة، فلا تساهم في الإنتاج، أو تمويل بناء المصانع، فإن أخذ منها شيء "على جنب"، كان من أجل إنفاقه في بحر الرمال المتحركة!

الخروج من عنق الزجاجة:

بالصفقة إياها، وما تبعها من رشقة القروض والمساعدات القادمة من كل مكان، فإن الدعاية لذلك بشّرت المصريين بأنهم خرجوا من عنق الزجاجة وأن الله بدل صبرهم خيرا، وما هي إلا ساعات ويعيشون في ثبات ونبات، ويطووا مرحلة الجوع الكافر، إلى غير رجعة!

ومن هنا فقد شاهدنا إيحاءات كثيرة تؤكد أن الأموال وصلت، وأن الجنيه هزم الدولار في معركة مراج دابق، فلم تعد بعد الآن هناك مشكلة تواجه المصريين في توفير السلع بأسعار زهيدة، مع مليارات الدولارات القادمة للبلاد.

واللافت هنا، أنهم تعاملوا مع التعويم المقيّد للجنيه على أنه إنجاز، مع أنه ارتفع به من ثلاثين جنيها في البنوك إلى قرابة الخمسين جنيها، مقابل الدولار، إذ إنهم اعتمدوا سعر السوق السوداء كأساس، فألا وأنه لم يعد يباع بسبعين جنيها فقد انخفض سعر الدولار، وهو نوع من التضليل الذي أدمنته هذه السلطة!

لو أقسموا على الماء فتجمد، ثم قالوا إن الوضع الآن في سوق العملة الصعبة هو الوضع النموذجي عندما يكون سعر الدولار في السوق الموازية هو نفسه لدى البنوك، وأحيانا أقل، لما أمكن لنا أن نتعامل مع هذا الوضع على أنه طبيعي، لأننا نعلم أن هذا بسبب الضربات الأمنية، والمصادرات بالمخالفة للقانون. والاقتصاد لا يدار بعصا السلطة، وقد أدير من قبل، وجرت مداهمات لمكاتب الصرافة واعتقالات لأصحابها، ثم اختفى القوم وعادوا ليصل الدولار إلى سبعين جنيها عدا ونقدا!

فما دام من يحتاج الدولار لا يجده في البنوك، مسافرا أو مستثمرا، فإن هذا حل بقوة السلاح، ومثل هذه الحلول لا تصلح في إدارة اقتصاديات الدول، وأي مجنون هذا الذي يعتقد أن تجار العملة الذين اشتروا الدولار بسبعين جنيها، يقبلون بيعه بأقل من خمسين جنيها؟!

إنهم الآن في حالة استسلام للمرحلة، ينتظرون الفرصة، وسوف تأتي حتما كما جاءت من قبل بعد ضربات أمنية سابقا.

ثم تعال هنا، كيف يمكن لنظام استلم البلد والدولار لم يتجاوز سبعة جنيهات، ثم يصل به إلى هذا الرقم فيعتبر نفسه قد انتصر لأنه نجح في خفضه عن السعر الذي وصل إليه في السوق الموازية؟!

ألا إن النجاح ليس فقط في عودة الأمور على ما كانت عليه (بخصوص سعر الدولار وسعر السلع والخدمات بشكل عام)، ولكن في خفضها لأكثر من ذلك، فرفض حكم الدكتور محمد مرسي لا يعني أن يكون الحكم البديل مثله، فقيمته في القدرة على خفضها أقل مما كانت عليه.. ما علينا!

مولانا ولي النعم:

فقد بدأ التبشير بالرخاء، وكان حديث الجنرال مع رئيس حكومته عن "الهبرة" التي يطلبها من الأموال القادمة، والتي قدرها بعشرة مليارات جنيه، ضمن هذه الزفة، وكذلك الأمر في حديثه مع وزيرة التضامن والتي سألها عن احتياجات أحد مشروعاتها فقالت خمسة مليارات جنيه، فطلب من الغائب وروحه حاضره ترفرف في المكان، السيد وزير المالية، أن يمنحها عشرة مليارات!

هكذا تدار الدول، فقد أعادنا إلى زمن مولانا ولي النعم؛ خذ هذه الصرة من الدنانير، وخذه هذه أيضا، وهو سلوك يعيدنا إلى عهد المجتمعات البدائية التي لم تشكل دولة، وإذ قال من قبل إنه ظل خمسين عاما يدرس ما معنى الدولة، ثم تكون النتيجة هكذا، فالمعنى أنه كان يقرأ في الكتاب الخطأ
هكذا تدار الدول، فقد أعادنا إلى زمن مولانا ولي النعم؛ خذ هذه الصرة من الدنانير، وخذه هذه أيضا، وهو سلوك يعيدنا إلى عهد المجتمعات البدائية التي لم تشكل دولة، وإذ قال من قبل إنه ظل خمسين عاما يدرس ما معنى الدولة، ثم تكون النتيجة هكذا، فالمعنى أنه كان يقرأ في الكتاب الخطأ!

حديث المليارات، وتوزيعها في العلن، إنما هو في الأصل ضمن الدعاية لأن الأموال صارت لديهم كالأرز، وأنهم ودّعوا الفقر إلى غير رجعة!

ومع ذلك ظلت الأسعار على حالها، فماذا جنى المواطن لو أن الدولار انخفضت قيمته حتى صار فاقدا للقيمة والاعتبار، ولا يشعر المواطن بأثر ذلك؟!

من خلال فيديوهات لمواطنين، كان واضحا أن الأمر لم ينطل عليهم، فهم يشكون من ارتفاع الأسعار، ووصل بهم اليأس حد أنهم تخلصوا من حذرهم، حتى مثلت هذه الفيديوهات ظاهرة، فلم يعد الناس يقرأون لنا أو يستمعون لأحاديث الإعلاميين في قنوات المعارضة فيشعرون بالارتياح؛ وفق نظرية أن المعارضة تقوم بعملية تنفيس في الأصل، فالوجيعة صارت أكبر من التنفيس عنها فتولوا أمرهم بأنفسهم، بعيدا عن الكلام المنمق والعبارات المختارة بعناية، بما يقتضيه الخطاب الإعلامي المسؤول!

وإذا كان الحكم العسكري قد دأب على اعتقال كل صاحب رأي من العامة يقول كلاما غاضبا، فإن مساحة الغضب ستتسع ليكون من الصعب السيطرة عليها والتحكم فيها.

تجربة مبارك:

لقد ظل مبارك قرابة الربع قرن خطا أحمر، لا يجوز للمعارضة الاقتراب منه، وعند أول هتاف على سلالم نقابة الصحفيين أطلقه إبراهيم الصحاري تم اعتقاله، وعندما خرج وكرر ذلك، اعتقل أيضا، وسمعت ضابطا كبيرا يقف أسفل سلالم نقابة الصحفيين يقول اهتفوا ضد وزير الداخلية لكن لا تهتفوا ضد الرئيس، مع أن وزير الداخلية كان خطا أحمر بدوره،
أي زيادة في سعر الوقود سيترتب عليها زيادة كل أسعار السلع، وهو ما حدث بالفعل، وفي الشهر الفضيل، فبدد ذلك آثار الفرح المنصوب، وكانت هذه الزيادات أقرب من حركة "ضرب كرسي في الكلوب"، فتحول مكان الفرح إلى ظلام دامس، أما كان لهم أن ينتظروا لعدة شهور على ذلك
لكن الضابط اختار أخف الضررين، ولم يستمر الأمر طويلا، فقد صار الهتاف بسقوط مبارك من المعلوم بهذه الوقفات بالضرورة، وهذا من طبائع الأمور، لكن هذا ليس موضوعنا أيضا!

فمع الزفة الإعلامية، وحديث المليارات على لسان رأس السلطة، كان من المفترض أن يستمر الأمر طويلا، لكن كانت المفاجأة في هذا القرار المتعجل، برفع أسعار الوقود بنسب تصل إلى 20 في المئة، وكانت الأزمة الأكبر في زيادة سعر أنبوبة الغاز من 75 إلى مئة جنيه رسميا، ونحن نعرف أن هذا سعر المخزن، وهناك زيادة تصل لعشرين جنيها مقابل وصولها للبيوت!

ومعلوم أن أي زيادة في سعر الوقود سيترتب عليها زيادة كل أسعار السلع، وهو ما حدث بالفعل، وفي الشهر الفضيل، فبدد ذلك آثار الفرح المنصوب، وكانت هذه الزيادات أقرب من حركة "ضرب كرسي في الكلوب"، فتحول مكان الفرح إلى ظلام دامس، أما كان لهم أن ينتظروا لعدة شهور على ذلك، حتى ينتهوا من مهمة "كيد العوازل"، وإثبات النجاح والتفوق، بصفقة رأس الحكمة والقروض والمساعدات؟!

يبدو لي القوم في سياساتهم كالذي يتخبط الشيطان من المس، ولو أن هناك جهة في الحكم تتآمر على الجنرال ما فعلت أكثر من ذلك لإنهاء سهرة السحرة، لكنه عدم التوفيق الإلهي، وكيف لتوفيقه سبحانه وتعالى أن يشمل من ارتكب كل هذه المظالم؟!

إنه لا يفلح الساحر حيث أتى!

twitter.com/selimazouz1
التعليقات (0)