مقالات مختارة

ترزية التاريخ

فهمي هويدي
1300x600
1300x600
كتب فهمي هويدي: من يتابع ما نشرته وسائل الإعلام المصرية خلال الأيام السابقة على حلول ذكرى فض اعتصام رابعة (أمس 14 أغسطس) لا تفوته ملاحظة أن الذي قيل هذا العام هو ذاته الذي قيل في العام السابق مع بعض الإضافات القليلة. فقد تكرر الكلام عن التحريض ضد الجيش والشرطة، وتخزين السلاح، ومبادرة المعتصمين إلى مهاجمة الشرطة التي «اضطرت» إلى استخدام السلاح دفاعا عن النفس.. إلخ.

إلا أن متحدثا على إحدى القنوات ذهب إلى أبعد يوم الأربعاء الماضي 12/8، حين قال إن المعتصمين سهلوا الدعارة وأقاموا خياما للنكاح، كما أقاموا خياما أخرى لتيسير تعاطي المخدرات. وكان ذلك اكتشافا جديدا لم يذكر من قبل وانفرد به المتحدث «حصريا». لا يهم أن يكون القائل في هذه الحالة مديرا سابقا لاتحاد كرة القدم، لأن الأهم أن الكلام جرى بثه تلفزيونيا، وأن المجال والأجواء العامة باتت تحتمل الترويج لمعلومات من ذلك القبيل.

لأن معالجات الحدث في الإعلام تتم في ظل الظروف التي تعرفها، فإن الأمر يمكن أن يكون مفهوما. ذلك أن أي متحدث بات بوسعه أن يطلق العنان لخياله، ويأخذ راحته في تقييم ما جرى والمزايدة على الجميع في عرض الوقائع. ولا تثريب عليه في ذلك ولا لوم، إذ طالما أنه راكب للموجة ومدرك لاتجاه الريح فإنه سيظل في السليم. حتى إشعار آخر على الأقل. والأمر كذلك.

فليس مستغربا أن يعيد المتحدثون والمعلقون سرد ما قالوه في العام الماضي بتفاصيله وأحيانا بنصه. ويظل الباب مفتوحا على مصراعيه لزيادة العيار حبتين أو أكثر ـ كما نقول ـ بحيث يتم التصعيد في الدرجة مع ثبات الحفاظ على النوع. ولأن الأمر كذلك فإنني أستطيع أن أسجل الآن مضمون وعناوين ما ستنشره أو تبثه وسائل الإعلام حين تحل المناسبة في العام القادم، طالما ظلت الأوضاع السياسية كما هي.

خصوصا أنني أتصور أن جعبة الهجاء أفرغت ما فيها، إذ بعد إضافة تسهيل الدعارة وتعاطي المخدرات في سيناريو العام الحالي، فإن خيالي لا يتوقع أكثر من ذلك في سيناريو العام القادم أو الذي يليه.
ليس عندي أي دفاع عما جرى في رابعة سواء من جانب المعتصمين أو الذين فضوا الاعتصام. لكن أستطيع أن أقرر أمرين، الأول أننا نقرأ وقائع الحدث من وجهة نظر واحدة، هي بالدرجة الأولى وجهة نظر النظام القائم والمؤسسة الأمنية، في حين لن يتاح لأي باحث منصف أو محلل موضوعي أن يكوِّن رأيا إلا بعد أن يستمع إلى وجهة النظر الأخرى التي هي مغيبة ومحجوبة في الوقت الراهن.

الأمر الثاني أن هناك اختلافا في توصيف ما جرى. يختلف باختلاف موقع المتحدث. فالضحايا والحقوقيون المستقلون يصفونه بأنه «مذبحة»، أما الموالون للسلطة، وهم الأغلبية الساحقة في وسائل الإعلام، فإنهم يصفونه أحيانا بأنه موقعة، ومنهم من يعتبره عدوانا على الشرطة والجيش. أو حلقة في مسلسل إشاعة الفوضى لإسقاط الدولة.

النقطة التي تهمني في الموضوع هي أن التاريخ المعتمد والموثوق فيه هو وحده الذي تتجرد كتابته من الهوى السياسي. وإذا كان معلوما أن الحقيقة تظل أولى ضحايا الصراعات فإنه في المجتمعات غير الديمقراطية بوجه أخص يصبح ذلك التجرد في كتابة التاريخ مستحيلا، ذلك أنه لابد أن يستلهم وجهة نظر السلطة ويعبر عنها. بحيث يصنف الكتاب في هذه الحالة ضمن «ترزية التاريخ»، وهو ما أبرزه جورج أورديل في روايته الشهيرة (1984) الذي صور فيها واقع إنجلترا إذا ما خضع لحكم النازي.

وكانت «وزارة الحقيقة» هي التي تكتب التاريخ وتتولى صياغة وقائعه بحيث يظل «الأخ الأكبر» هو محوره ومحركه دائما.

أشرت من قبل عما قرأته بخصوص التجربة الإسبانية. ذلك أن إسبانيا خضعت لحكم الجنرال فرانكو في أعقاب الحرب الأهلية بين الجمهوريين واليمينيين التي استمرت بين عامي 36 و39، وخلال سنوات حكمه التي استمرت حتى عام 1975 فإن الرجل فرض على المجتمع روايته لوقائع وسنوات الصراع بين الجانبين، حيث أدى الجمهوريون فيها دور الشيوعيين الأشرار في حين قدم اليمينيون باعتبارهم المنقذين والطيبين والأبرار.

وحين مات الرجل في ذلك العام كان المجتمع منقسما بحيث بدا أن ذلك الانقسام الذي هدد الوحدة الوطنية يشكل عقبة في سبيل إقامة الديمقراطية في البلاد. وأدركت النخبة الحاكمة أن الطريق إلى تحقيق الوحدة المنشودة وإعادة الاصطفاف الوطني لا سبيل إلى تحقيقهما، إلا بإعادة كتابة التاريخ الحقيقي والصحيح للمجتمع الإسباني. ولتحقيق ذلك الهدف شكلت عدة لجان وعقدت جلسات استماع تحدث فيها الشهود الأحياء وانتهى الأمر بطي صفحة التاريخ الذي روج له فرانكو وجماعته، وتم التوافق على رواية للحقائق كما كانت وليس كما صاغتها آلته السياسية.

الشاهد أنه في المجتمعات غير الديمقراطية فإن الطرف المتغلب ـ شأن أي منتصر ـ هو الذي يكتب التاريخ، أما في ظل الديمقراطية فإن المجتمع هو الذي ينهض بتلك المهمة من خلال أهل الاختصاص والخبرة الذين ينتخبهم. بسبب من ذلك فأزعم أننا سنحتاج إلى وقت طويل نسبيا لكي نقرأ التاريخ الحقيقي للأحداث التي أعقبت ثورة 25 يناير 2011 وليس لاعتصام رابعة والنهضة فحسب.

ورغم الجهد المتميز الذي بذلته لجنتا تقصي حقائق أحداث ثورة 2011 ومرحلة حكم المجلس العسكري، إلا أن ذلك الجهد الذي جرى التعتيم عليه يغطي مرحلتين فقط من مسيرة ما بعد الثورة. ولا يزال الغموض يكتنف المراحل الأخرى. وإلى أن تستعيد مصر انخراطها في المسار الديمقراطي، فإننا سنظل نستقبل ما يجري الترويج له باعتباره القراءة السياسية للتاريخ كما يراها الطرف المتغلب. وليس القراءة الواقعية المجردة عن الهوى التي تتحرى الحقيقة بخيرها وشرها ولا تميز بين الغالب والمغلوب.

(عن صحيفة بوابة الشرق القطرية، 15 آب/ أغسطس 2015)
التعليقات (1)
عبد الله ميارة
السبت، 15-08-2015 07:49 م
مذبحة رابعة علامة فارقة بين الحق والباطل ، ميزت الطيب من الحبيث ، وكشفت عن معادن الرجال ، الحقيقة أن الكاتب مع تقديري له ومتابعتي لكتاباته من العربي الكويتية والشرق الأوسط والمجلة وكتبه : ايران من الداخل ، وغيرها وهي إسهامات غنية وقيمة ، إلا أن موقفه من الإنقلاب أطاح بهذه المكانة ، وأخشي أن يكون أحد سدنة أو أعوان السلطان الظالم.