كتاب عربي 21

الاتفاق بين أمريكا وطالبان: نهاية حرب وبداية حروب أخرى

1300x600
لا جدال في أن الاتفاق التاريخي بين أمريكا وطالبان يشكل نهاية حرب وبداية حروب أخرى، فبعد قرابة عقدين من القتال دون نتيجة، يريد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من حرب مرهقة ومكلفة لا يمكن الفوز فيها عسكريا، كما فعل أسلافه من قبل عند الانسحاب من فيتنام. فالاتفاق الذي جرى بعيدا عن حكومة كابل التي تعتبرها حركة طالبان مجرد "دمية"، لن تسعف البلاغة الخطابية بتسميتها "اتفاقية إحلال السلام في أفغانستان". فبمجرد انسحاب القوات الأمريكية والأجنبية سوف تدخل أفغانستان مرة أخرى سلسلة من الحروب الداخلية مسندة من قوى إقليمية، نظرا لصعوبة التوصل لاتفاق سياسي بين طالبان والحكومة والعديد من أمراء الحرب وأصحاب النفوذ في أفغانستان.

فقبل أن يجف مداد الاتفاق السياسي الذي وقع في "الدوحة" بين الولايات المتحدة الأمريكية وإمارة أفغانستان الإسلامية (حركة طالبان) في 29 شباط/ فبراير 2020، لإحلال السلام في أفغانستان، نفذت الحركة 33 هجوما في اليوم التالي وفقا لوزارة الداخلية الأفغانية. وقالت مروة أميني، نائب المتحدث باسم الوزارة، إن هناك هجمات في 16 مقاطعة، استهدفت المدنيين وقوات الأمن. وبعد عدة أيام في 6 آذار/ مارس الماضي شن تنظيم الدولة (ولاية خراسان) هجوما أودى بحياة نحو 29 قتيلا و61 جريحا، وقالت وكالة أعماق للأنباء التابعة للتنظيم إن الحصيلة أسفرت عن مقتل وإصابة 150 شخصا.

بالتزامن مع الهجمات أجرى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مكالمة هاتفية غير مسبوقة مع رئيس المكتب السياسي لحركة طالبان، الملا عبد الغني برادر. وقال ترامب إنه أجرى "حديثا جيدا للغاية" مع زعيم طالبان. ثم طرح ترامب احتمال أن تستعيد حركة طالبان الحكم في أفغانستان بعد انسحاب قواته، وقال في تصريح من البيت الأبيض، إنه ليس من المفترض أن تحكم طالبان أفغانستان، لكنه أمر محتمل، معتبرا أن على الحكومة الأفغانية في نهاية المطاف ضمان أمنها بنفسها. وقال: "مكثنا في أفغانستان طوال 20 سنة، وكنا نحاول حماية هذا البلد، وأعتقد أن الأفغان يجب أن يحموا بلدهم الآن. انتهى ذلك الزمن الذي كنا نقوم خلاله بهذا الدور". وأضاف ترامب أن بلاده قد تقدم يد العون لدولة معينة لمدة محددة، ولكن عليها العودة للاهتمام بشؤونها الداخلية، ويجب على الآخرين أن يفهموا هذا الأمر بوضوح.

من الواضح أن الاتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وحركة طالبان الأفغانية، الذي جاء بعد تسع جولات من المحادثات، لا يعبأ بمصير الحكومة الأفعانية. وقد بات مستقبل الرئيس الأفغاني أشرف غني مهدَّدا؛ ليس فقط بسبب حركة طالبان التي ترغب في تشكيل حكومة انتقالية، بل أيضا لأنَّ معارضة غريمه في الانتخابات عبد الله عبد الله ألقت شكوكا على اتفاقية السلام. فرغم أن الاتفاقية تنص على أنَّ الولايات المتحدة "ستعمل مع جميع الأطراف ذات الصلة على خطة للإطلاق العاجل" لسراح سجناء "طالبان"، مع تحديد موعد إطلاق سراحهم قبل 10 آذار/ مارس، وهو التاريخ المقرر لانطلاق المحادثات المباشرة بين حركة طالبان والحكومة الأفغانية. وقد اتُّفِق على إطلاق سراح نحو خمسة آلاف سجين من طالبان مقابل إطلاق سراح ألف سجين سياسي من جانب الحكومة، لكن الرئيس أشرف غني قال إنه لا يوجد التزام من جانب الحكومة بتحرير السجناء.

لقد ركزت الاتفاقية على أربعة أهداف مترابطة، تنص على إنشاء جدول زمني لخروج كل القوات الأجنبية المتواجدة حاليا في أفغانستان، وإلزام حركة طالبان بمنع شن أعمال عدائية ضد الولايات المتحدة من الأراضي الأفغانية، وعقد مفاوضات مباشرة بين طالبان والحكومة الأفغانية، ووقف إطلاق النار في عموم أفغانستان. لكن الحقيقة أن جوهر الاتفاق يتمثل بالانسجاب وعدم استهداف الولايات المتحدة، حيث ستقوم الولايات المتحدة الأمريكية باستكمال سحب باقي قواتها وقوات حلفائها، بما في ذلك جميع الموظفون المدنيون غير الدبلوماسيين، والأمن الخاص والمقاولون وموظفو الخدمات المساندة من أفغانستان، خلال 14 شهرا. ومبدئيا، ستقوم بخفض قواتها في أفغانستان إلى 8600 عنصر خلال 135 يوما من الاتفاق مع طالبان، كما ستسحب الولايات المتحدة وحلفاؤها جميع قواتهم من خمس قواعد عسكرية، فيما ستكمل الولايات المتحدة وحلفاؤها انسحاب ما تبقى من قوات من أفغانستان في غضون تسعة أشهر ونصف. ولا يبدو أن الولايات المتحدة مهتمة فعلا بمصير الحكومة الأفغانية.

على مدى سنوات من المفاوضات الماراثونية بين أمريكا وطالبان، بات واضحا أن الولايات المتحدة تخلت عن معظم شروطها مع طالبان. فالحكومة الأفغانية غائبة تماما، وحركة طالبان مستعدة لوقف إطلاق نار مع القوات الأمريكية لكنّ ليس مع الجيش الأفغاني، الأمر الذي يضع مستقبل أفغانستان في حالة من الغموض، ويدشن لحرب أهلية واسعة. ولا يبدو أن ترامب يكترث للانتقادات والتحذيرات الواسعة داخل الولايات المتحدة من تحقيق انجاز اتفاق سيئ. وكان السناتور ليندسي غراهام قد عبر في وقت سابق لمحطة "فوكس نيوز" بأنه "إذا غادرنا أفغانستان بدون (إبقاء) قوة لمكافحة الإرهاب ومن دون إمكانيات جمع معلومات استخباراتية، فإنّ تنظيم الدولة الإسلامية سيظهر من جديد وتنظيم القاعدة سوف يعود، سيضربون وطننا وسيلاحقوننا في أجاء العالم". وحذّر الجنرال ديفيد بتريوس الذي قاد القوات الأمريكية في العراق، في مقال في صحيفة "ذا وول ستريت جورنال"، من أنّه "تحت أي ظرف لا ينبغي أن تكرر إدارة أمريكية الخطأ الذي ارتكبته الإدارة السابقة لها في العراق والموافقة على سحب كامل للقوات القتالية من أفغانستان". وكتب بترايوس في مقال مشترك مع الخبير في شؤون أفغانستان فانس سيرشوك؛ أن "عمليات مكافحة الإرهاب الفعالة في أفغانستان، وعلى نفس القدر من الأهمية في المناطق القبلية المجاورة لباكستان، ستثبت أنها شبه مستحيلة في غياب بصمة أمريكية دائمة على الأراضي الأفغانية".

إن عدم اكتراث دونالد ترامب بإجراء مُفاوضات حقيقية بين حركة طالبان وحكومة أشرف غني في كابول، يعني أنّ الولايات المتحدة تخلّت عن الأخيرة، وربّما وافقت واشنطن على الشّرط الطالباني الأهم، وهو عودة إمارة أفغانستان الإسلاميّة التي أسّستها الطالبان وتمت الإطاحة بها أثناء الغزو الأمريكي، ويكشف عن استعداد إدارة ترامب الانسحاب بأيّ ثمن. فحركة طالبان لن ترضخ للمطالب الأمريكيّة كاملة، وخصوصا التفاوض مع حكومة غني، كما أنّها لا تملك القدرة الكافية للتصدّي للجماعات المتشددة. والأهم أن طالبان تدرك تماما أن أمريكا باتت مستنزفة في أفغانستان دون تحقيق فوائد مؤكدة، بل خسائر مضمونة. وحسب مقالة لاوريل ميلر، المسؤولة السابقة في وزارة الخارجية الأمريكية المكلفة بملفي أفغانستان وباكستان، في مجلة "السياسة الدولية"، فإنّ وضع جدول زمني الآن "يعني أن طالبان ستدخل محادثات لاحقة مع الأفغان، وقد حققت بالفعل هدفها الرئيس مع تعزيز مكانتها وقدرتها على المساومة". وقالت إنه "يجب أن يكون هناك انسحاب أمريكي مرحلي مرتبط بتقدم محدد في عملية السلام الأفغانية، مثل تبني دستور منقح ينص على تقاسم السلطة وانتخابات لاحقة".

لا جدال في أن حركة طالبان تجد نفسها في وضعية مريحة، فقد برهنت الحركة على أنها قوة قتالية هائلة في أفغانستان، وأن التوصل إلى سلام لا يمكن أن يتحقق مستقبلا في أفغانستان دون أن تتفاوض حكومة كابول مع طالبان، وباتت الدول الكبرى تتسابق لخطب ود حركة طالبان في سياق تجنب الآثار الكارثية في حال عودة طالبان إلى حكم أفغانستان. وفي سياق اللعبة الاستراتيجية الكبرى، فقد دخلت الولايات المتحدة في مفاوضات مياشرة مع الحركة، بعد أن استضافت روسيا وفدا من الحركة لبحث عملية السلام، واعترفت الصين بشرعية الحركة، فضلا عن سعي الهند وإيران وغيرهما لنسج علاقات ودية مع طالبان.

لم تكن المفاوضات الأمريكة مع طالبان من موضع قوة ونجاح، بل جاءت عقب فشل الاستراتيجيات العسكرية الأمريكية في أفعانستان في كسر شوكة طالبان، ومحاولة دفعها للقبول بتسوية هزيلة مع ذروة وجود القوات الأمريكية وحلفائها. فقد بلغ عدد القوات الأمريكية ذروته عام 2011، حيث وصل إلى مئة ألف جندي أمريكي دون تحقيق تقدم يذكر، وقد دفع بروز حركة أشد عنفا من طالبان ممثلة بتنظيم الدولة (ولاية خراسان)؛ الولايات المتحدة إلى الإسراع في التفاوض مع طالبان حول الانسحاب، والنظر إليها كحركة وطنية وليس منظمة إرهابية.

كانت حسابات الكلفة/ المنفغة حاسمة في قرار الإدارة الأمريكية بالتفاوض مع طالبان، فقد بلغت نفقات وزارة الدفاع الأمريكية المنظورة لوحدها في أفغانستان 840 مليار دولار حسب "مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية". وحسب الأرقام التي نشرتها وزارة الدفاع الأمريكية، يبلغ مجموع ما أنفقه الأمريكيون عسكريا في أفغانستان من تشرين الأول/ أكتوبر 2001 إلى آذار/ مارس 2019، نحو 760 مليار دولار، ولكن دراسة مستقلة أجراها مشروع تكلفة الحرب في جامعة براون الأمريكية خلصت إلى أن الأرقام الرسمية التي نشرتها الحكومة الأمريكية لا تعكس الواقع إلى حد كبير. وخلصت الدراسة إلى أن الأرقام الرسمية لا تشمل تكاليف الإنفاق على العناية بالجرحى من العسكريين الأمريكيين، ولا الأموال التي أنفقتها وزارات الدولة الأمريكية الأخرى والمتعلقة بالحرب في أفغانستان، ولا الفوائد التي تحملتها الحكومة بسبب القروض التي أخذتها لسد نفقات الحرب. وقدرت دراسة جامعة براون كلفة الحرب في أفغانستان بأنها أقرب إلى تريليون دولار.

وقد تسببت الحرب في أفغانستان بخسائر بشرية كبيرة، كان نصيب قوات الولايات المتحدة الأكبر مع سقوط 3200 قتيل ونحو 20,500 جريح منذ 2001، وهو رقم يتجاوز مرتين حجم خسائر دول التحالف هناك. وكان الرئيس الأفغاني قد قال في وقت سابق من العام الحالي إن أكثر من 45 ألف من العسكريين الأفغان قتلوا منذ توليه منصبه في عام 2014.

خلاصة القول أن الاتفاق بين أمريكا وطالبان يشكل نهاية حرب أمريكية خاسرة وبداية حروب أفغانية محلية أخرى، فبعد قرابة عقدين من القتال دون نتيجة، يريد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من حرب مرهقة ومكلفة وخاسرة، أفضت إلى ولادة حركة أكثر عنفا وراديكالية من طالبان، ممثلة بولاية "خراسان. ويبدو أن ترامب متعجل بالانسحاب قبل الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2020، في إطار سعيه الشخصي للفوز بولاية حكم ثانية. ومن المؤكد أن اتفاقية "إحلال السلام في أفغانستان" لن تجلب السلام للأفغان، بل هي وصفة مؤكدة للحرب الأهلية، وإن كانت قد تجلب السلام المؤقت للأمريكان.