كتب

نحو تفعيل منظومة القيم المقاصدية في المجال التربوي

كتاب يشرح أسس ومكونات النظام المعرفي الإسلامي (أنترنت)

الكتاب: منظومة القيم المقاصدية وتجلياتها التربوية
المؤلف: فتحي حسن ملكاوي
الناشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي فرجينتا الولايات المتحدة الأمريكية
الطبعة الأولى: 2020
عدد الصفحات 288

مدرسة المعهد العالمي للفكر الإسلامي، جديرة بالدراسة والتأمل، والبحث في رجالاتها وتحولاتها، في منطلقاتها والأساس الذي قامت عليه، والمآل الذي انتهت إليه، والمخرجات الضخمة التي أنتجتها على مدار حوالي أربعين سنة من العمل الفكري المحض.

مدة زمنية طويلة، آل فيها عدد من المشاركين في هذا المشروع والمساهمين فيه إلى ربهم، ولم يبق من جيل المؤسسين سوى أفراد قلائل، على رأسهم الدكتور عبد الحميد أبو سليمان، والدكتور فتحي حسن ملكاوي، الذي يرأس اليوم فرع المعهد النشيط بالأردن.

 



والحقيقة أن تآليف الدكتور فتحي حسن ملكاوي، لا تكتسب أهميتها فقط من مؤلفها الذي عاش مختلف الفترات التي قطعها المعهد، بدءا من محطة "إسلامية المعرفة" و"إصلاح الفكر الإسلامي"، إلى محطة "إعادة النظر في المنهجية المعرفية الإسلامية"، انتهاء بلحظة "حاكمية القيم القرآنية"، وإنما تستمد من كونها تؤرخ للحظات مفصلية من تحولات الأفكار، ونقاشات الرواد داخل هذه المدرسة، والخلافات التي كانت تظهر بينهم، والخصوصيات الفكرية التي كان يتميز كل واحد بها، والمخاضات الحساسة التي كانت تعرفها بعض الأفكار والمشاريع، التي انتهى إليها المعهد في محطة من المحطات الفاصلة.

وفي هذا السياق، يمكن أن ندرج كتاب الدكتور فتحي حسن ملكاوي "منظومة القيم المقاصدية وتجلياتها التربوية"، الذي يعبر عن لحظة من هذه اللحظات، بكل سياقاتها وتفاعلاتها وتوافقاتها واختلافاتها، بل وبثقل الحجج التي كان يستند إليها لتثبيت فكرة أو دفع أخرى. ولأن الدكتور فتحي حسن ملكاوي كان شاهدا على نمو الأفكار داخل مدرسة المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ولأنه كان دائما مؤتمنا على تحرير المخرجات، وكان يتمتع بصفة الأمانة والنزاهة العلمية الصارمة في التفاعل بين الآراء التي يتوافق معها والتي يختلف معها، فإن كتاباته ترشح لأن تكون شاهدة على التحولات الفكرية في مدرسة المعهد، قبل أن تكون تعبيرا عن مخاضات فكر رجل، يتفاعل مع الأفكار، ويسجل ما انتهت إليه قناعاته بشأنها.

سياق تشكل فكرة منظومة القيم الحاكمة

يسجل الدكتور فتحي حسن ملكاوي بكل أمانة جانبا من التحولات التي خاضتها مدرسة المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ولا يتردد في نسبة الأفكار إلى أهلها، حين عزا فكرة القيم الحاكمة، للدكتور طه جابر العلواني رحمه الله، وما حدث من تطور داخل الفكرة نفسها، بل واختلاف حول مشمولاتها.

فالكتاب الذي يقدمه الدكتور فتحي، كان في البدء محاولة لتطوير بعض الأفكار التي دونها المؤلف حول فهمه للنظام المعرفي الإسلامي، وانتهت به هذه العملية إلى تأليف كتاب صدر سنة 2013 بعنوان "منظومة القيم العليا: التوحيد والتزكية والعمران"، الذي تقاطع فيه مع رؤية الدكتور طه جابر العلواني للهدي القرآني، والمبادئ الكبرى الحاكمة له، التي أجملها في اصطلاحه المشهور "منظومة القيم الحاكمة"، معتبرا فيه أن هذه المفاهيم الثلاثة أو القيم الثلاث، تشكل مرجعية مقاصدية لبيان غاية الحق من الخلق، ومنظومة معيارية للقيم التي تنبثق عنها سائر القيم الرئيسية والفرعية في دين الله.

والواقع، أن فكرة حاكمية القيم القرآنية، التي انتهى إليها الدكتور العلواني، إنما كانت تخفي في جوهرها تحولات عميقة في مدرسة المعهد العالمي للفكر الإسلامي، التي اشتغلت كثيرا بإسلامية المعرفة وإصلاح الفكر الإسلامي، وإعادة تصويب أسس المنهجية المعرفية الإسلامية، ذلك أنها تمثل انعطافا كبيرا من المنهجية الفقهية إلى تبني منظومة مقاصدية جديدة، منحها الدكتور العلواني صفة الحاكمية، التي تعني في اصطلاحه ومفهومه، المرجعية الحاكمة التي يلجأ إليها كمدخل منهجي لجهود تنقية التراث الإسلامي، مما اختلط به من تراث أهل الكتاب في وقت مبكر، ثم من تراث الأمم الأخرى بعد ذلك، كمدخل مقاصدي لمراجعة العلوم النقلية وقضاياها التاريخية والجغرافية، قبل أن تكون مدخلا قيميا في الحكم على العلوم المعاصرة ومعايرتها.

 



كان هم الدكتور طه جابر العلواني رحمه الله أن يجعل من منظومة القيم الحاكمة، مدخلا لتطوير نظرية معرفية جديدة في العلوم الشرعية وكذا في العلوم الاجتماعية، معتبرا أنها تمثل الأساس الكفيل بتشغيل سائر المنظومات الفقهية والقانونية، وإعادة صياغة الشخصية الإسلامية الفردية والاجتماعية وتحويلها إلى نموذج يمهد لعالمية الإسلام القادمة، فجاء كتاب فتحي مكاوي في هذا السياق، أي سياق تطوير ما انتهى إليه فكر العلواني، شرحا لبعض أفكاره، وتطويرا لها، واستئنافا عليها، حيث يحكي فتحي بهذا الخصوص ما جرى من تفاعل بينه وبين طه العلواني بشأن مادة هذا الكتاب، كما يسجل الخلاف الذي جرى بينهما بخصوص إضافة الدكتور العلواني لقيمتي الأمة والدعوة، ضمن القيم الحاكمة، موصلا إياها إلى خمس قيم، وكيف خالفه الدكتور فتحي، معتبرا أن هذه  الإضافة لا تعدّ إضافة مناسبة، معللا ذلك باختلاف طبيعة المفهومين (الأمة والدعوة) عن طبيعة  المفاهيم الثلاثة (التوحيد والتزكية والعمران)، ولأن مسوغ جمع التوحيد والتزكية والعمران بوصفها قيما حاكمة أو قيما مقاصدية، غير مسوغ بالاهتمام بالأمة والدعوة نتيجة لضغوط الواقع.

ومع التزام الدكتور فتحي بالتقسيم الأصلي نفسه للقيم الثلاث الحاكمة، إلا أنه فضل أن يضيف في جهده المعرفي إضافة أخرى، تمثلت في بيان جزء من انعكاسات هذه القيم الحاكمة على الواقع، وبالتحديد على المجال التربوي، باعتبار تخصصه فيه، وأيضا على التراث الإسلامي والفكر المعاصر، مبينا أهمية المدخل المقاصدي في جهود الإصلاح الفكري الإسلامي، ومنبها إلى ضرورة الوعي بمخاطر ما قام به بعض المفكرين المعاصرين من سوء استخدام المدخل المقاصدي، للتخفف من نصوص الإسلام ومقاصدها المعتبرة.

في تكامل وتناسق منظومة القيم العليا

الحديث عن منظومة قيم مقاصدية في فكر الدكتور فتحي ملكاوي، وقبله الدكتور طه جابر العلواني، يحيل إلى معنى التناسق والتكامل وإثبات الصلة بين مكونات هذه القيم الثلاث: (التوحيد والتزكية والعمران)، مع إفراد قيمة التوحيد بأهمية خاصة، كونها تشكل رأس الأمر في التفكير الإسلامي، والقاعدة والمنطلق لتبلور القيم الأخرى. فالتوحيد، في نظر فتحي ملكاوي، هو العنصر الأساسي في النظام العام الاعتقادي وتفرعاته المعرفية، والتزكية هي التمثل العملي للشخصية الإنسانية وتفرعاتها النفسية والعقلية، والعمران هو الصورة العامة للنظام الاجتماعي وتفرعاته الاقتصادية والسياسية. 

ويبقى التوحيد الأصل الذي تنبثق عنه القيم الأخرى، في صياغة الإنسان فردا وجماعة، باتجاه التزكية وبناء العلاقات والنظم الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع، فالتزكية والعمران بهذا الاعتبار إنما هما انبثاق من مبدأ التوحيد بوصفه نقطة البدء في أي تفكير وأي عمل. فالتوحيد هو قاعدة التزكية، وهو أصل العمران في هذه المنظومة التي تتكامل عناصرها الثلاثة من غير تكافؤ بين قيمتها.

فالتوحيد في نظر فتحي ملكاوي حقيقة مطلقة يقود إليها التفكير والتأمل والبداهة العقلية، ووظيفته إراحة الإنسان من حالات الحيرة والقلق والضلال التي ينتهي إليها أي تصور آخر غير التوحيد، والتزكية ارتقاء بالنفس الإنسانية وسمو بها وتطهير للمجتمع الإنساني من ألوان الفساد والانحراف، وتطهير للمال وتنميته وتدويره بين الناس، ووظيفة التزكية تعزيز مؤشرات المسؤولية والتكافل الاجتماعي بما يبني مجتمعا متماسكا في بنيته وأنظمته، والعمران هو سعي بشري لتوظيف طاقات الإنسان في بناء حياة عامرة بالخير، ووظيفته تحقيق مقاصد الخلافة في الأرض واستعمالها لاستخراج طاقاتها، واستعمالها في تيسير سبل الحياة وتطوير الحضارة البشرية وترشيدها.

التوحيد رأس قيم المنظومة المقاصدية

يستعرض الدكتور فتحي ملكاوي في الفصل الأول في كتابه، جملة الأدبيات والكتابات التي تناولت  موضوع التوحيد، فانطلق أول ما انطلق من رصد ألفاظ التوحيد في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية، مكتفيا منها بصحيح البخاري وصحيح مسلم، حيث قلما يلجأ إلى كتب السنن أو الصحاح الأخرى، ثم عرج بعد ذلك على موضوع التوحيد أو علم التوحيد في أدبياته المشهورة، مستعرضا سياق نشأة علم العقيدة أو علم الكلام، أو ما كان يسمى بأصول الدين، مقتصرا على بعض الكتب الأساسية في هذا الفن للمتقدمين والمتأخرين، معرجا على "كتاب التوحيد" للماتريدي، و"المطالب العالية" لفخر الدين الرازي، و"رسالة التوحيد" لمحمد بن عبد الوهاب، و"رسالة التوحيد" لمحمد عبده، و"رسالة العقائد" للإمام حسن البنا، وكتاب "الإيمان واثره في الحياة" لعبد المجيد النجار. ليتوقف طويلا عند كتاب إسماعيل الفاروقي :"التوحيد وتضميناته في الفكر والحياة"، الذي أسهم في ربط العقيدة بكل وجوه الحياة، ومختلف النشاط الاجتماعي والفكري الإنساني، من السياسة إلى الفنون، مركزا على المبادئ الثلاثة التي يقوم عليها التوحيد (رفض جميع ما لا يوافق الحقيقة، إنكار التناقض، الانفتاح على الأدلة الجديدة)، ومركزا على تجليات التوحيد في النظام الاجتماعي، وبشكل خاص على الأسرة والأمة، وأيضا في النظامين السياسي والاقتصادي، ومبرزا انعكاساته على النظامين المعرفي والجمالي، لينتهي في هذا الفصل إلى تأصيل قيمة التوحيد باعتباره القيمة المركزية الأولى في الرؤية الإسلامية، مركزا على المبادئ المنهجية المتفرعة من التوحيد (مبدأ تكامل الخلق والأمر، ومبدأ تكامل الدنيا والآخرة، ومبدأ تكامل الحس والعقل، ومبدأ تكامل الوحي والعلم).

التزكية في منظومة القيم العليا

سلك الدكتور فتحي ملكاوي في تأصيل القيمة الثانية الحاكمة، المنهج نفسه الذي اختاره في تأصيل القيمة المركزية الأولى (التوحيد)، فتناول اصطلاح التزكية في القرآن والسنة مركزا على فعل التزكية، واضطلاع الله تعالى ورسوله وكتابه بهذه الوظيفة وأثرها في نفس الإنسان وسلوكه، ومستعرضا جوانب التزكية ومجالاتها، كما وردت في مصدري التشريع الأساسيين (القرآن والسنة)، ليعرج بعد ذلك على التزكية في مدارس الزهد والتصوف والجهاد، فذكر المستويات والمجالات التي ركزت عليها هذه المدارس في التزكية، مع ذكر وسائل التحصيل والكسب، والأدوات المعتمدة في تزكية الجماعة والأمة (العلم والحكمة، الشريعة والنظام، الإيمان والأخلاق)، ثم خصص جانبا مهما من هذا الفصل للحديث عن وسائل التزكية التي اعتمدتها هذه المدارس (القرآن الكريم، الذكر والفكر، صحبة الصالحين وغيرها)، لينتهي في هذا الفصل إلى أن المرجعية القرآنية قد أشبعت بيان التزكية، وأظهرت قيمتها وحددت مجالاتها، وبينت كيف يترقى الفرد في مراتبها في جسمه وعقله وقلبه وفي تصرفاته وماله وممتلكاته وفي أنظمته وعلاقاته.

العمران ثالث قيم المنظومة المقاصدية

على المنهج نفسه، مضى فتحي ملكاوي في تأصيل قيمة العمران، مستعرضا دلالات هذا المصطلح في القرآن الكريم، وفي لغة الحديث النبوي الشريف، متوقفا عند دلالة المفهوم في الاصطلاح الخلدوني، الذي فصل عناصر الممارسة المنهجية للتكامل المعرفي، وبين شروط تحقق العمران، واستقرأ اركان ومقومات العمران (الدعوة إلى تراكم جهود العلماء، فهم سنن النهوض والانهيار الحضاري، التحليل النقدي لمناهج التدوين والتفكير، اعتبار الطبائع الفطرية والوقائع العلمية، تجاوز الحالة المعرفية، والإبداع في وضع أسس علم جديد)، كما حاول الدكتور فتحي أن يتوقف عند حدود العلاقة بين العمران والحضارة في فهم ابن خلدون، حيث أعطى جانبا من الأهمية لقوانين صلاح العمران وفساده، لينتهي في هذا الفصل إلى أن العمران هو حالة من الإنجاز المادي والمعنوي، الذي يرافق مستويات الحياة في المجتمعات الإنسانية، بقطع النظر عن مستوياتها من التحضر أو الكسب الحضاري، وأن البشرية اليوم، بما تعرفه من كسب حضاري ومن مستويات متعددة للإفلاس القيمي، تحتاج إلى رؤية جديدة للعالم، ترشد الإنجاز العمراني والحضاري المادي، وتوظفه في تحقيق مقاصد استخلاف الإنسان في الأرض.

في الحاجة لإعمال منظومة القيم

بعد أن استعرض فتحي ملكاوي تجليات منظومة القيم الحاكمة في المجال التربوي وفي التراث الإسلامي والفكر المعاصر، خلص في خاتمة كتابه إلى الحاجة لإعمال منظومة هذه القيم الثلاث الحاكمة، وجعلها مبادئ موجهة للمنهجية الإسلامية، سواء في مستوياتها الفكرية النظرية الاعتقادية العامة، أو في مستوياتها العلمية الإجرائية للتفكير والبحث والسلوك، معتبرا أن من شأن ذلك أن يوسع دائرة اشتغال ما يسمى بأخلاقيات المنهج العلمي في البحث، ويربطها بغايات المنهجية الإسلامية العامة ووسائلها، حيث قدم مادة الفصلين الأخيرين المتعلقين بتجليات هذه المنهجية كمتن معين على إعطاء الموضوع بعض حقه، وإضافة البعد المقاصدي لقيم التوحيد والتزكية والعمران، واعتبارها قيما مقاصدية، والدعوة إلى تفعيل هذه القيم للمقاصدية في العمل التربوي المعاصر.