كتاب عربي 21

العقول الأربعة في زمن كورونا

1300x600
عندما يتعرض مجتمع ما لجائحة صحية خطيرة، تتحرك من داخله عدة عقول لمواجهة الحالة، والمساهمة في مساعدة الأفراد والجماعات على تجاوز الأزمة بأقل التكاليف. اليوم أمامنا وباء كورونا الذي اجتاح العالم بنسق متسارع، وهو ما أيقظ هذه العقول، ودفعها نحو مضاعفة الجهد من أجل الخروج من الأزمة في أسرع وقت ممكن. إذ كلما طالت الأزمة، تضاعف عدد الضحايا وانتشرت العدوى على نطاق واسع، وطالت مدة الحجر الصحي الجماعي، واتسعت رقعة البطالة، وتعطل الاقتصاد، واقترب العالم من الإفلاس والمجاعة.

سنتحدث عن أربعة عقول، ونتساءل عن دورها، وقدراتها على الفعل وتطويق الأزمة.

أولها العقل السياسي، الذي يفترض فيه أن يضع جميع إمكانيات الدولة لإدارة هذه الحرب بنجاعة وقوة، من أجل حماية المواطنين وتأمين صحتهم وأرواحهم. اليوم تتعرض أنظمة الحكم والأحزاب والنخب السياسية والمجتمعات المدنية لاختبار دقيق وصعب. يتمثل ذلك في رسم السياسات الناجعة، وتفعيل المؤسسات والآليات، وتعبئة الأموال الضرورية، وتعميق التعاون مع المجتمعات المدنية القائمة على التطوع وخدمة الناس دون تمييز ولأغراض غير ربحية. هنا كشفت كورونا أخطاء كثيرة، وعرت عديد الحكومات، وأظهرت التفاوت الواسع بين الدول وأيضا بين النخب. ويفترض أنه بعد تجاوز هذه الجائحة يجب الانتقال مباشرة إلى المحاسبة.

ثانيا، العقل المالي، ويملكه أصحاب المال ورجال الأعمال. لا يجوز لهؤلاء أن يدفنوا رؤوسهم في التراب، ويتظاهرون بتجاهل ما يدور حولهم. معظم الدول العربية لها أنظمة صحية متهرئة، تفتقر للبنية التحتية القوية، ولم تعد أنظمتها الصحية تستجيب لاحتياجات المرضى، خاصة الفقراء منهم. مواجهة كورونا تتطلب تجهيزات وكوادر، وهذه تقتضي أموالا وأحزمة داعمة. عموم الدول العربية تعاني من عجز وفساد وبيرقراطية قاتلة، لهذا أصبح من واجب القطاع الخاص معاضدة جهود الدولة لتركيز منظومة صحية قادرة على الفعل والاستجابة. لكن الكثير من هذه الدول تعاني من تضارب المصالح بين الأطراف، وتفشي الأنانية وحب الذات، رغم أن الجميع يعلمون بأن هذا الوباء لا يميز بين أغنياء وفقراء، وأنه الآن بصدد الفتك بالجميع دون تمييز طبقي بينهم.

ثالثا، عقل علمي نشيط وفعال. إذا كان السياسيون جادين في هذا الشأن فما عليهم إلا التنازل عن مقود القيادة للأطباء وأهل الاختصاص. هذه ليست حربا عسكرية ولا سياسية، وإنما هي حرب صحية شاملة يديرها أصحاب البلوزات البيضاء. هؤلاء يعرفون طبيعة الفيروس وخصائصه، ولهم خططهم وأدواتهم في محاصرته والتقليل من مخاطره. منهم من يعمل صباحا ومساء من أجل التوصل إلى دواء للقضاء عليه، ولقاح يقطع أمامه طريق العدوى والانتشار. هناك تسابق مشحون بين مختلف الدول ومراكز البحث من أجل اكتشاف هذا الدواء، لأن وراء ذلك ربح كثير وسيطرة واسعة على أسواق الأدوية من أجل مزيد من الأرباح وإحكام السيطرة على العالم. في هذا السباق لا يملك العرب سوى التنازل عن كفاءاتهم العلمية، حتى يستثمرها الغرب في مخابره ويخضعهم لاستراتيجياته.

آخر هذه العقول، العقل الديني الذي تشتد الحاجة إليه خلال الأزمات والجوائح. ففي مثل هذه المناسبات تضيق النفوس ويتعاظم الألم، وتشتد الحيرة، ويشعر الإنسان بضعفه وقلة حيلته وأحيانا هوانه على الناس. كما تشتد الحاجة إلى الله، ويدرك المؤمنون بكونه الأقدر على منحهم الثقة في أنفسهم حتى يواصلوا سيرهم إلى الأمام. لكن العقل الديني يتحكم فيه من يتحدثون باسمه، ويملكون مفاتيحه وطرق تأويله. هؤلاء أصناف، منهم المدرك لمقاصد الدين ويملك القدرة على الربط بين الحاجات والأحكام القادرة على معالجتها على أرض الواقع، ومنهم صنف آخر لا يشكلون فقط خطرا على الناس، ولكن هم أيضا خطر على الدين نفسه. يقول المفكر الإيراني علي شريعتي: "ليعلم تجار الدين هؤلاء.. سوف يأتي يوم وتثور الناس عليهم، وأنا أخشى أن يذهب الدين ضحية لتلك الثورة".

هناك كثير من الأصوات وجدت في وباء كورونا فرصة لإدخال من يستمعون لهم في نفق مظلم وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا. بعض هؤلاء ملأوا الدنيا صراخا للتأكيد على أن هذا الوباء عقاب من الله بسبب كثرة الذنوب، وهو قول مردود وتأويل فاسد، ونفي للقوانين الإلهية. كما أوهموا الناس بأن ترديد بعض الأدعية كفيل بالقضاء على كورونا، بينما الأصل في الدين أن الدعاء الذي هو مخ العبادة يجب أن يقترن باستنفاد جهود الوقاية من الأمراض والأوبئة، فلا قيمة للعبادة إذا لم تقرن بالعمل. كما اكتفى بعضهم بدعوة الرحمن إنقاذ المسلمين دون ذكر بقية الشعوب والأمم. وهي فكرة خطيرة، نابعة من عنصرية بغيضة، وقائمة على سوء الظن بالله الذي هو رب العالمين ورؤوف بجميع خلقه دون تمييز بينهم في الخلق. كما لم يفهم هؤلاء أن العالم تحول إلى قرية، فإما أن ننجو جميعا أو يغرق الجميع. ومنهم أيضا شيوخ قاوموا بشراسة فتاوى شيوخ آخرين أجازوا تعطيل صلاة الجمعة والصلوات الخمس جماعة داخل المساجد، واعتبروا أن ذلك تطاول على الإسلام وتعطيل أصل من أصوله. في قولهم هذا غوغائية من شأنها أن تعرض ملايين المسلمين لخطر الموت. وبلغ بهؤلاء أن ادعوا بأن من مات بهذا الفيروس القاتل وهو مصر على الصلاة في المسجد يعتبر شهيدا عند الله. هل الإسلام جاء لإحياء النفوس وحفظها أم للتبشير بالموت وتعميم الجهل؟

المطلوب أن تعمل هذه العقول في انسجام تام، وتدير الحرب الجارية حاليا بتوافق واقتدار. هذا هو الطريق نحو النجاة.. أما إذا تضاربت المصالح، وتعاكست الاتجاهات، واختلطت الأهواء والوسائل فإن النتائج لا قدر الله ستكون وخيمة.