مقالات مختارة

في خضم أزمة فيروس كورونا.. الرياض وأبوظبي تعمدان إلى نشر الأخبار الملفقة

1300x600

في مواجهة أزمة كوفيد-19 العالمية، وبينما يرزح ما يقرب من ثلث سكان العالم تحت الإغلاق التام، تتصاعد نبرة المطالبين باتخاذ إجراءات جماعية لمكافحة الفيروس، إلا في الخليج، حيث تستمر حملات التضليل ونشر الحكايات المفبركة في توسيع الهوة التي ما لبثت تفصل بين دول المنطقة منذ ثلاثة أعوام.

وكانت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر قد فرضت في حزيران/ يونيو من عام 2017 حصاراً على قطر مصحوباً بعملية ضخمة تستهدف تلطيخ سمعة قطر على مستوى العالم، وحشد الناس في الخليج في صعيد واحد ضد القيادة في دولة قطر، بل وحتى تمهيد الطريق لتغيير النظام فيها.

وهم خيبة الأمل

في المرحلة الأولى من الأزمة، سعت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة مراراً للدفع قدماً بحكاية تغيير النظام، واضعين في الواجهة ما بدا أنهم أعضاء من عائلة آل ثاني الحاكمة في قطر وبعض أنصارهم زعماً أنهم انشقوا عن النظام، بهدف خلق الانطباع بأن القطريين قد خاب أملهم في قيادتهم.

ولكن تبين في حقيقة الأمر أن عبدالله بن علي آل ثاني، الذي روجت وسائل الإعلام التابعة لكل من السعودية والإمارات له باعتباره الأمير البديل في عام 2017، كان محتجزاً رغماً عنه داخل الإمارات العربية المتحدة.

أما سلطان بن سحيم آل ثاني، الذي قدم زوراً في أيلول/سبتمبر 2017 على أنه أمير بديل آخر كان إلى حد كبير شاباً مغموراً ربما ظن أن فرصة قد لاحت أمامه ليحقق شهرة شخصية.

بينما لم يقتصر الأمر على إخفاق استراتيجية تغيير النظام، بل نجم عن ذلك التفاف أكبر حول الراية القطرية منذ 2017، فإنها لا تزال شبكات التضليل المرتبطة بالسعودية والإمارات تقصف بلا هوادة مجال وسائل التواصل الاجتماعي بحكايات ملفقة تستهدف قطر وسياساتها.

ففي الذكرى السنوية الثالثة للحصار، شهد تويتر جولات من الأخبار الملفقة حول انقلاب مزعوم في قطر، ينشرها ذباب إلكتروني على ارتباط بالسعودية.

بينما سئمت وسائل الإعلام العالمية والصحفيون والمعلقون العاملون فيها من حرب الحكايات التي تدور رحاها في منطقة الخليج، فإن وسائل التواصل الاجتماعي القطرية ترمق هذه المزاعم العجيبة عبر الحدود بجرعة من الاستهجان والتندر في نفس الوقت.

إلا أن حملات التضليل السعودية والإماراتية إنما يقصد منها بالدرجة الأولى الاستهلاك المحلي.

الضغوط المحلية

في المملكة العربية السعودية، والتي تعتبر من أكثر دول العالم استخداماً لتويتر، تلجأ حملات التضليل التي تديرها الدولة إلى نظريات المؤامرة والأخبار الملفقة لحشد الجمهور المحلي حتى يلتف حول الراية السعودية.

فالظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المملكة لا تسر، في وقت تشتد فيه الضغوط بسبب الركود الاقتصادي العالمي والانكماش غير المسبوق في سوق النفط، وخضوع ملايين الناس لحالة الإغلاق التام في شهر رمضان المبارك.

وفوق ذلك كله، تستميت الرياض في البحث عن استراتيجية للخروج من حرب باهظة التكاليف في اليمن، في وقت تتصاعد فيه الضغوط على القيادة السعودية من قبل الحزبين السياسيين في واشنطن في خضم ما يرى كثيرون في الولايات المتحدة أنها حرب أسعار على النفط أشعلت فتيلها السعودية. في هذا السياق، يحتاج ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بإلحاح شديد لتحويل الاهتمام في اتجاه آخر، بينما يخطط لإجراء انتقال سياسي اليوم قبل الغد.

لقد بات الأسلوب المفضل داخل المملكة لإدارة المجتمع المدني الناشئ، والمولع باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، هو السلطوية رقم 2.0. فبدلاً من حظر منصات وسائل التواصل الاجتماعي بشكل تام، يدير أحد مستشاري محمد بن سلمان الذي يتمتع بحظوة خاصة لديه، واسمه سعود القحطاني، جيشاً من الذباب الإلكتروني لديه القدرة على تقويض أي مسعى لإجراء حوار مجتمعي ذي قيمة.

أقام القحطاني شبكات للتضليل تعتمد على ذباب إلكتروني ينهمك في تصيد المعارضين على المستوى المحلي والناقدين على المستوى الدولي.

يرتبط هذا الذباب الإلكتروني بوسائل الإعلام التقليدية المملوكة للدولة السعودية، ويقوم بمهمة نشر القصص التي ترغب الحكومة في الترويج لها، ويعمل في نفس الوقت على تكوين تريندات في السوشال ميديا في بيئة تشكلها الخوارزميات.

فرصة كانت متاحة وأغلقت نافذتها

وبهذا الشكل فإن قصصاً ما كانت في العادة لتجذب كثيراً من الاهتمام، مثل التقرير الذي نشرته المجلة السعودية حول مطالبة فرد غير معروف من عائلة آل ثاني لأمير قطر بالاستقالة، يتم نشرها على نطاق واسع عبر شبكات التضليل، باستخدام أساليب مبتكرة تعتمد الإثارة.

وهكذا تجد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، الذين قضوا أسابيع تحت وطأة الإغلاق ويقفون على عتبة وضع اقتصادي صعب، ينشد انتباههم نحو هاشتاغات مصطنعة مثل "انقلاب في قطر".

"الخبز والسيرك" كان من الخلطات التي أثبتت نجاعتها ضمن مساعي محمد بن سلمان لشد الانتباه بعيداً عن الأسئلة المحرجة المتعلقة بسير أجندته الإصلاحية، والتي وعد من خلالها بمزيد من الوظائف وبتنمية القطاع الخاص وجلب الاستثمارات الخارجية.

تبدو النظرة سوداوية بالنسبة للأزمة الخليجية التي توشك أن تدخل عامها الرابع. فمن المفارقات، أنه بينما تستدعي أزمة كوفيد-19 التكاتف والعمل المشترك في الخليج، تبدو هذه الدول أكثر استعداداً للتعاون منفردة مع إيران من التعاون جماعياً فيما بينها.

ولقد دمرت حملة التضليل المستمرة ضد قطر من قبل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة أي آمال في حصول تقارب، ناهيك عن المصالحة، بين دول المنطقة في أي وقت قريب.

وبذلك تكون الفرصة الضئيلة التي لاحت في أواخر عام 2019 قد أغلق نافذتها تماماً محمد بن سلمان، الذي كان رد فعله على الأزمة الحالية متمثلاً بالانسحاب والانطواء بدلاً من أن تتصدر المملكة العربية السعودية في عهده القيادة كما كانت تفعل من قبل.

 

(ميدل إيست آي)