كتاب عربي 21

إعادة تموضع إيران في ليبيا

1300x600

في أعقاب زيارة قام بها وزير الخارجية الإيرانية جواد ظريف إلى تركيا، قال الوزير الإيراني إنّ بلاده "تتشاطر مع تركيا وجهة نظرها" في ما يتعلق بالحل في ليبيا. بعض المواقع الإخباريّة غير التركية قالت إنّ ظريف أبدى خلال المؤتمر الصحفي تأييده ودعمه لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً.

بعدها بيوم واحد فقط، وخلال زيارته إلى موسكو، سُئِل ظريف مرّة أخرى عن موقف بلاده من الأزمة الليبية، فقال إنّ "طهران تدعم الجهود التي تبذلها كل من روسيا وتركيا لحل الأزمة الليبية، ونأمل في أن تجلب الحكومة الشرعية في ليبيا الهدوء والسكينة للشعب الليبي". 

لا يبدو الموقف الإيراني واضحاً هنا. هو يعطي كل طرف ما يريد، ومن الواضح أنّه يريد أن يكون دبلوماسياً، إذ لا يمكن أن تكون مع روسيا وتركيا في ليبيا في نفس الوقت نظراً للمعسكرات المتضارية التي يقودها كل منهما.  

لكن بعض المؤيدين لإيران وبعض المؤيدين للإمارات اجتمعوا على أسطورة أنّ ظريف قد أعلن دعمه لحكومة الوفاق الوطني، ثمّ بدأ كل منهما يُحلل هذه التصريحات بالطريقة التي تناسب أجندته. فالأيديولوجيون أصحاب الرؤى الحالمة عن عصمة الموقف الإيراني ممّن يؤمنون أنّه لا يمكن لطهران أن تكون في صف إسرائيل أو الإمارات مثلاً، يرون أنّ الموقف الطبيعي لإيران هو أنّها مع حكومة الوفاق الوطني. لماذا؟ لانّهم يعتبرون أن هناك نفحة إسلامية في هذه الحكومة وهو ما يتماشى مع السياسة الإيرانية فضلاً عن كون الحكومة مدعومة من قبل تركيا وقطر ! 

أمّا الموالون للإمارات فهم يرون أنّ مثل هذا التصوّر يتناسب مع أجندتهم تماماً. إذ لا بد أن تكون إيران مع الإخوان، والترويج لهذا التصور يعتبر فرصة كذلك لتقويض حكومة الوفاق الوطني على المستوى الدولي والحث على زيادة الدعم المقدّم لحفتر تحت ذريعة أنّ إيران تقف مع حكومة الوفاق وأنّه لا بد من مواجهة الإسلاميين والمتطرفين الذين يقفون في معسكر واحد. وبذلك تكون أجندة الطرفين الإيراني والإماراتي قد تلاقت بشكل غير مباشر في هذه النقطة كذلك.

 

مغالطات إيرانية

خلال الأسبوع الماضي، بثّت قناة الجزيرة مقابلة مع مستشار المرشد الأعلى للشؤون العسكرية والدفاعية حسين دهقان قال فيها "نحن نعترف بحكومة الوفاق الليبية في طرابلس، هذه الحكومة المعترف بها دوليا، كما أنّنا لم نقل ولم نفعل سابقاً ما يتناقض مع هذا الموقف"، مضيفاً "نقول صراحة أنّه لا وجود لنا في ليبيا ولا نتدخل في الشؤون الليبية وحديث بعض الأطراف عن دعم إيراني لقوات خلفية حفتر مثير للضحك والسخرية. إيران لا تقدّم أي دعم يُذكر لحفتر. موقفنا يقوم على ضرورة وقف التدخلات الخارجية هناك والسماح بانطلاق الحل السياسي، والسماح لليبيين بتقرير مصيرهم بأنفسهم".

تصريح مستشار المرشد هذا مليء بالمغالطات التي تكذّبها المواقف الإيرانية نفسها. تؤكّد التقارير أنّ المقاتلات الروسية التي تمّ ارسالها إلى حفتر مؤخراً والتي تمنع تقدّم قوات حكومة الوفاق إلى سرت والجفرة جاءت عبر مطار همدان العسكري في إيران. كما أنّ السفن التي يرسلها نظام الأسد إلى بنغازي التي يسير عليها حفتر، تنطلق من مرفأ اللاذقية الذي يسيطر الحرس الثوري عليه على الأقل منذ العام الماضي، وهذه كلها مواقف تتعارض مع ادّعاءات دهقان الاعتراف بحكومة الوفاق أو عدم اتخاذ أي مواقف تتعارض مع ذلك. 

 

إنّ التصريحات الإيرانية يجب أن تقارن دوماً بمواقفها على الأرض وفي الميدان، فالتجربة التاريخية تقول أن لا مصداقية للجانب الإيراني، فعندما يتعلق الأمر بمصالح إيران لا تمانع أبداً من التحالف مع الشيطان نفسه إن اقتضى الأمر وليس مع أمريكا وإسرائيل والإمارات فقط.

 



لكن الأهم من كل ذلك أنّ إيران لديها مواقف صريحة لا تعترف فيها بحكومة الوفاق. فبعد اتفاق الصخيرات نهاية العام 2015، اعترف المجتمع الدولي والأمم المتّحدة بحكومة الوفاق بشكل مباشر، فيما امتنعت إيران عن الاعتراف بحكومة الوفاق مشيرة إلى أنّ ذلك لن يحصل إلاّ بعد أن تنال ثقة من برلمان طبرق، وقد أكّد سفير إيران في ليبيا آنذاك حسين أكبري في تصريحات رسمية له في نوفمبر من العام 2016 على نفس الموقف.  

ومن المعروف أنّ برلمان طبرق صوّت في أغسطس نفس العام ضد منح حكومة الوفاق الثقة ثمّ اتجه إلى تأسيس حكومة أخرى ودعم حفتر. وأغلب الاعتقاد أنّ الموقف الإيراني آنذاك كان ينبع من اعتقادها بأنّ حكومة الوفاق دمية أمريكية، وبالتالي فقد كانت طهران تحاول أن تتّخذ موقفاً متعارضاً مع الولايات المتّحدة الأمريكية، فقد كانت حكومة الوفاق وقواتها تقاتل "داعش" في سرت بدعم أمريكي وإيطالي، ولم يكن الموقف مُعقداً آنذاك بالشكل الموجود عليه اليوم لناحية عدد اللاعبين. 

فإذا كانت إيران تريد أن تقول اليوم إنّها باتت تعترف بحكومة الوفاق الوطني كممثل شرعي وحيد لليبيا، فمتى تغيّر الموقف الإيراني بالتحديد ولماذا؟ 

إذا سلّمنا جدلاً بأنّ الموقف الإيراني أصبح قريباً إلى الوفاق، فالأرجح أنّ ذلك يعود إلى سببين: الأوّل الهزائم التي مني بها حفتر ـ المدعوم من قبل حلفاء إيران الأسد وروسيا ـ مؤخراً غرب ووسط البلاد. أمّا الثاني فهو توثيق إسرائيل في رسالة إلى الأمم المتّحدة لأسلحة إيرانية الصنع تمّ إستخدامها من قبل ميليشيات حفتر وهو أمر حسّاس جداً خاصّة أنّه يأتي قبل ثلاثة أشهر من موعد رفع حظر استيراد الأسلحة المفروض على إيران وجهود واشنطن المبذولة لتجديده. 

 

مناورة هدفها تقويض حكومة الوفاق

شخصياّ، لا أستبعد تحوّلات مستقبلة في الموقف الإيراني، خاصّة أنّ عدم وجود طهران المباشر هناك كما هو الحال في سوريا والعراق ولبنان واليمن يتيح لها إمكانية نقل موقفها بشكل أسهل. لكن الأكيد أنّني لا أجد دليلاً واحداً على ادعاءات أولئك الذين يقولون إنّ إيران تعترف وتدعم حكومة الوفاق. وطالما بقي دعم الأسد وروسيا لحفتر قائماً، لا أرى أنّ هناك إمكانية لتغيّر حقيقي في الموقف "العملي" الإيراني وليس في التصريحات الدبلوماسية.

هناك احتمال آخر وهو أن تكون التصريحات الإيرانية مجرّد مناورة سياسية هدفها تقويض حكومة الوفاق الوطني، إذ من المعروف أنّ الغرب يتحسّس من أي طرف تقوم إيران بدعمه أو التقرّب منه. ولذلك فإنّ إعلان إيران الآن عن إعترافها بحكومة الوفاق أو التقرّب منها قد يكون بهدف تجريدها من الدعم الغربي الذي تتمتع به. وبذلك تكون طهران قد قوّضت حكومة الوفاق دون استخدام رصاصة واحدة. 

بعيداً عن الإطار النظري والتحليلي، فإنّ التصريحات الإيرانية يجب أن تقارن دوماً بمواقفها على الأرض وفي الميدان، فالتجربة التاريخية تقول إنه لا مصداقية للجانب الإيراني، فعندما يتعلق الأمر بمصالح إيران فهي لا تمانع أبداً بالتحالف مع الشيطان نفسه إن اقتضى الأمر وليس مع أمريكا وإسرائيل والإمارات فقط.