قضايا وآراء

هل تمتلك إسرائيل قوة ناعمة؟

1300x600

القوة الناعمة مصطلح صاغه جوزيف ناي من جامعة هارفرد في كتابه الصادر عام 1990 بعنوان "مقدرة للقيادة: الطبيعة المتغيرة للقوة الأمريكية" وتعني أن يكون للدولة قوة روحية ومعنوية من خلال ما تجسده من أفكار ومبادئ وأخلاق ومن خلال الدعم في مجالات حقوق الإنسان والبنية التحتية والثقافة والفن، مما يؤدي بالآخرين إلى احترام هذا الأسلوب والإعجاب به ثم اتباع مصادره. وبهذا المعنى لا تمتلك إسرائيل خصائص القوة الناعمة، نظراً لانها دولة احتلال أنشئت واستمرت بدعم مطلق من الدول الغربية على حساب الشعب الفلسطيني ووطنه الوحيد فلسطين ؛ وتمارس العنصرية بشكل ممنهج ضد الشعب الفلسطيني، جنباً إلى جنب مع بناء إسرائيل لعلاقات متشعبة مع عدد كبير من دول العالم .

النفاذ الى دول العالم 

استطاعت إسرائيل خلال العقود الماضية (1948 ـ 2020) عبر داعميها الغربيين بناء علاقات مع غالبية دول العالم، وحرصت منذ تأسيسها على إشراك المجتمع الدولي في تجربتها في مجال التطوير وخاصة الزراعة، ولهذا تم في عام 1958 تأسيسMASHAV)  ) مركز التعاون الدولي وهو قسم يعمل داخل وزارة الخارجية ويكلف بتخطيط مشروع التعاون الدولي الإسرائيلي وتنفيذه. 

وعلى الرغم من ضيق المساحة التي أنشئت عليها إسرائيل وشحّ الموارد الطبيعية، فقد ساعدها الموقع الجغرافي والإطلالة على البحر المتوسط عبر ساحل يمتد لنحو 224 كيلومتراً من الشمال إلى الجنوب، في التعويض عن ضيق المساحة. كما كان للتركيب السكاني، أكثر من ستين في المائة من التجمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين المحتلة هم في إطار قوة العمل، كان لذلك بالغ الأثر في النشاط الاقتصادي العام، خصوصاً، وأن من بين المهاجرين اليهود خبرات علمية وأكاديمية عالية أدت إلى تحسين مستوى الأداء في كافة مراحل تطور الاقتصاد الإسرائيلي منذ عام 1948؛ كما ساعدت رؤوس الأموال التي انهالت على إسرائيل على شكل تبرعات ومساعدات من الجاليات اليهودية والولايات المتحدة، وغيرها، في حشد طاقات جديدة في الاقتصاد الإسرائيلي.

التنمية البشرية 
 
عزز التطور في آداء الاقتصاد الإسرائيلي من فرص الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تخصيص المزيد من الموازنات للإنفاق على الصحة والتعليم والدفاع، ما أدى إلى ارتفاع مؤشرات التنمية البشرية، حيث وصل العمر المتوقع للفرد في إسرائيل إلى 77 عاماً، في حين بلغت معدلات التعليم بين الكبار 95 في المائة. وبذلك تبوأت إسرائيل مراتب أساسية في تقارير التنمية البشرية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي خلال الفترة 1990 ـ 2019. 

 

تحاول إسرائيل على مدار الساعة امتلاك جيش قوي على الدوام، ناهيك عن الاعتماد على خيار نووي، عبر امتلاكها نحو (200) قنبلة نووية،

 



وقد كانت شبكة العلاقات التجارية والسياسية بين إسرائيل سواء مع القارة الأوروبية، أو مع الولايات المتحدة الأمريكية، أو مع القارة الأفريقية وآسيا، مؤشراً أساسياً على مدى نجاح إسرائيل في تبوء مكانة هامة في إطار العلاقات الدولية السائدة. وكانت هناك محاولات أمريكية حثيثة لتهيئة الظروف لبناء علاقات إسرائيلية تجارية وسياسية وثقافية مع دول مختلفة في العالم، وقد ساعد في ذلك غياب التكامل العربي في إدارة التعامل وبناء العلاقات مع الدول المختلفة في العالم في إطار العلاقات الدولية لتحقيق المصالح العربية العليا فضلاً عن اتفاقات اوسلوا الموقعة  بين منظمة التحرير وإسرائيل في الثالث عشر من أيلول / سبتمبر 1993. 

ولكي تنفذ إسرائيل لبناء علاقات مع دول العالم، تعتمد مشاريع (MASHAV) على نقل المعلومات التكنولوجية وإغناء الموارد البشرية. وتستهدف النشاطات تعزيز القدرات المهنية من خلال الدمج بين البعد النظري والبعد العملي والدمج كذلك بين البحث العلمي وتطبيق المشروع على أرض الواقع، وتكييف تكنولوجيات جديدة لتلبية أولويات التطوير في الدول المستضيفة، وذلك عبر التعاون مع وزارات مختلفة ومعاهد مهنية وأكاديمية ومراكز بحث في إسرائيل. ويعمل (MASHAV) بالشراكة مع دول نامية ودول يمر اقتصادها بفترة انتقالية نحو مواجهة التحديات التنموية في مجالات مثل الحد من الفقر، تقديم الخدمات الصحية الأساسية، ضمان الغذاء، التربية في سنوات الطفولة المبكرة، مكافحة التصحّر، تحقيق المساواة بين الجنسين، شركات صغيرة ومتوسطة الحجم وتطوير متكامل للمناطق الريفية. 

أهمية مراكز البحث 

لتعزيز مكانتها في إطار تلك العلاقات، أعطت إسرائيل أولوية لإنشاء مراكز بحث، أو تطوير القائم منها. وتشير الدراسات المختلفة إلى أن إسرائيل استطاعت إنشاء مئة مركز بحث، سواء على صعيد الجامعات أو المراكز الخاصة.وقد ساعدت تلك المراكز في تزويد المخططين والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بالأرقام والمؤشرات، والاقتراحات، والتوصيات، لبناء شبكة متشعبة من العلاقات الدولية، تعود بمردود سياسي واقتصادي كبير على إسرائيل. وقد ساعد أيضاً في ترسيخ تلك العلاقات الخبرات الفنية العالية التي تمتلكها إسرائيل في مجال التقنية الزراعية، والتصنيع العسكري، والإلكترونيات.

ولتعزيز علاقاتها الدولية، تحاول إسرائيل على مدار الساعة امتلاك جيش قوي على الدوام، ناهيك عن الاعتماد على خيار نووي، عبر امتلاكها نحو (200) قنبلة نووية، إذ ترى اسرائيل في امتلاكها جيش متطور وخيار نووي، ضمانة قوية لأمنها من جهة، واستمرار نفوذها في إطار العلاقات الدولية من جهة أخرى، خصوصا وأن قضية الأمن تعتبر القضية الأهم في إطار الإستراتيجية الإسرائيلية، وأن بناء شبكة علاقات إسرائيلية دولية يجب أن يخدم تلك القضية ويحققها.

ويبقى القول أنه رغم بناء إسرائيل لعلاقات كبيرة ومتشعبة مع دول العالم خلال العقود السبعة الماضية، لكنها لاتملك أخلاق ومبادئ القوة الناعمة بتعريفها المبسط الذي يرتكز على الأخلاق، لأنها دولة احتلال وتمارس كافة إشكال العنصرية ضد الشعب الفلسطيني وبدعم مطلق من إدارة ترامب والدول الغربية.

*كاتب فلسطيني مقيم في هولندا