قضايا وآراء

صناعة الطغيان

1300x600
تابعت مقطع فيديو طريفا انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي؛ لرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون وهو يهرول من أجل اللحاق بأحد القطارات في محطة مزدحمة بمدينة لندن، مع عدد من رفاقه، دون حراسة الشرطة أو قوات أمنية أخرى.

اعتاد مواطنو الدول الغربية مثل هذه المشاهد؛ فمن الطبيعي أن ترى مسؤولا يستقل القطار، أو يركب دراجة، أو يتسوق داخل متجر صغير، أو يسير مترجلا في الشارع يلوح للمواطنين أو يتحدث معهم أثناء سيره، وليس لديهم ما يستحق عناء متابعة مثل هذه الأشياء، إلا إذا كان الأمر مرتبطا بحادث كوميدي عارض، أو موقف إنساني يحرك المشاعر على نحو ما.

ما يبدو بسيطا لدى القوم، يستفز العقل الجمعي العربي ويتركه في حيرة بالغة، نظرا للصعوبة التي يلقاها في فهم تلك البديهيات فضلا عن التكيف معها؛ فالزعيم في بلادنا المنكوبة هو الآمر الناهي، ولا راد لحكمه، وقوله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولذلك لا تسري عليه قوانين البشر؛ فلا يسير مثلهم، أو يركب ما يركبون، أو يأكل ما يأكلون.

أخذتني الذاكرة في رحلة عكسية عبر الزمن إلى العام ١٩٩٦ عندما كنت طالبا في المرحلة الجامعية، وصادف وقت ذهابي للجامعة صباحا موعد انعقاد قمة عربية في مدينة القاهرة، ضمت حشدا من زعمائنا الأشاوس؛ فما كان من الأمن إلا أن أوقف الطريق تماما وظللنا محاصرين داخل الحافلة قرابة الساعتين. ورغم الزحام وقسوة الموقف فأنا أعترف بأنني كنت أكثر حظا مقارنة بالمشاة، الذين أمرتهم قوات الأمن بالوقوف بجوار أسوار المباني ووجوههم إلى الحائط، مثل تلاميذ يتلقون عقابا لسوء أدب أو فعل مشين.

وقفزت أفكاري إلى بلد عربي عشت فيه ردحا من الزمن، فتذكرت كيف منعت من الدخول بسيارتي إلى محيط الشارع الذي كنت أسكن فيه نظرا لتدابير أمنية تتعلق بزيارة مسؤول كبير، وكيف أغلق شارعنا كله بعمائره ومحاله التجارية، ولم يسمح لنا بفتح النوافذ أو الخروج من البيت سوى لأداء الصلاة، لأن الرئيس الأمريكي السابق كان في زيارة للبلاد ومن المرجح أن يقضي بعض الوقت في موقع قريب من محل إقامتي.

ومن عجائب القدر أنني زرت الولايات المتحدة بعدها بشهرين؛ وتظاهرت في حديقة البيت الأبيض مع مئات آخرين، ولم يمنعنا أحد من الدخول أو الهتاف ضد ساكنه أو الضيف العربي الجالس معه، حتى اقتربنا من السور الخارجي فوضعت الشرطة شريطا فاصلا كحاجز افتراضي؛ ظل الأطفال يلعبون وراءه ويقطعونه فتعيده الشرطة في هدوء، فأدركت أن البون شاسع بيننا وبين القوم.

يطلق على الموظف الكبير في الهيكل الإداري للدولة "مسؤول"، وهو مصطلح له دلالته التي ينبغي أن يعيها جيدا من أصبح في موقع المسؤولية؛ فالمسؤول محاسب، والحساب يحتاج إلى إعداد جواب من أجل النجاة وقت الحساب، وهذا ما عرفته شعوب الغرب وأدركه مسؤولوها.

مفهوم المحاسبة بلا شك يعصم الإنسان من الزلل، ويؤهله للاستمرار في حياة نظيفة، ويعيده إلى جادة الصواب سريعا عند حدوث أبسط انحراف، كما يحمي المجتمع من تسلط الأفراد، والعبث بمساحة الحرية المتاحة للآخرين، أو تقليصها وفقا لرغباتهم وأهوائهم.

لست بحاجة إلى التذكير بأن بلادنا تعيش واقعا افتراضيا مخيفا على مستوى أنظمة الحكم، فلا إمكانية لإجراء انتخابات حرة، ولا مجال لاختيار يؤهل أحدهم لتمثيل الشعب؛ ولذلك تزدهر صناعة الطغيان لدينا، وتشكل بيئتنا العربية معملا خصبا لإنتاج الطغاة، وتفريخ أجيال منهم تكفي لسد العجز العالمي من الطغيان.

لا يعرف الطغاة في بلادنا مفهوم المواطنة ولا يشعرون بوجود المواطنين؛ فالوطن بما حملت أرضه وما أظلت سماؤه تركة ورثوها عن أسلافهم، والبشر لديهم غثاء لا قيمة له يعطونه ظهورهم، ويولون وجوههم شطر سادتهم بالغرب، أملا في الحصول على شرعية دائمة وثقة خارجية متجددة لا يستطيعون العيش بدونها، ولذلك لا يمكن أن تتقاطع مصالحهم مع الشعوب بأي حال من الأحوال.
 
وفي قاموس الطغيان، لا بأس أن يذوق المواطنون من العذاب ألوانا حتى يعبر السيد الرئيس في أمان، بعيدا عن الغوغاء والدهماء، ويجب تزيين الشوارع والميادين لفخامته، وإضفاء شيء من البهجة على مظاهر الكآبة حتى لا تتأذى عين الزعيم الملهم من تفاصيل الواقع البائس الذي يعيشه المواطنون بسبب وجوده على سدة الحكم؛ فالطغيان يتلاشى معه الحد الفاصل بين العام والخاص، حتى يصير اسم الطاغية مرادفا للدولة، وتصبح الدولة بإمكاناتها ومواردها وقفا مسخرا لتحقيق مصالحه الشخصية وتلبية رغباته المقدسة.