قضايا وآراء

ابن زايد وآثار مصر الفرعونية

1300x600
منذ ما يقرب من قرنين من الزمان، بدأت الدولة المصرية الاهتمام بالآثار الفرعونية وحفظها في متحف خاص وعرضها على الشعب المصري، كما كان يفعل الأوروبيون. إذ أصدر حاكم مصر آنذاك "محمد علي باشا"، يوم 29 حزيران/ يونيو 1835، فرماناً بإنشاء مصلحة الآثار والمتحف المصري.

ويرجع الفضل لهذا للدكتور "رفاعة الطهطاوي"، الذى كان عائداً من باريس، بعد انتهائه من المنحة الدراسية التي منحها إياه محمد علي باشا، وألف كتابه البديع "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، وهو من أدب الرحلات، حيث تبحر فيه ما بين باريس والقاهرة في رحلة ممتعة، وتناول أحوال العلوم التاريخية والجغرافية والسياسية والاجتماعية في كل من مصر وفرنسا في تلك الفترة، وانتقد إهداء مسلات مصر الفرعونية إلى الدول الأوروبية لتزين بها عواصمها، والتي أحزنته كثيراً عندما رآها بعينه تزين باريس. وقد ولي إليه الإشراف على مصلحة الآثار بجانب رئاسته وتأسيسه مدرسة الترجمة (كلية الألسن حاليا)..

ولكن هذا لم يثن حكام مصر من بعد محمد علي باشا عن التفريط وإهدار الآثار الفرعونية، بل استمروا في إهدائها للحكام الأجانب، الذين زاد اهتمامهم وإعجاب شعوبهم بها بعد اكتشاف حجر رشيد وفك طلاسم اللغة الفرعونية، فتمكنوا من فهمها وتعلقوا شغفا بالحضارة الفرعونية، منذ عهد الخديوي عباس الأول. حتى يومنا هذا.

فلقد أهدى الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر خمسة معابد فرعونية لخمس دول في ستينيات القرن المنصرم (معبد طافا لهولندا، ومعبد دندور لأمريكا، ومعبد الليسيه لإيطاليا، ومعبد ديبود لإسبانيا، ومعبد كلابشة لألمانيا)، وذلك تقديرا لها على إسهامها في إنقاذ 13 معبدا من الغرق عند بناء السد العالي..
واستمر الرؤساء من بعده في إعطاء الهدايا الفرعونية القيمة لرؤساء الدول، ولكن ربما كانوا أقل كرماً وسخاءً منه.

وللإنصاف، فإن عصر الرئيس الأسبق حسني مبارك، كان الأكثر اهتماماً بالآثار الفرعونية، ولكنه كان الأكثر سرقة لها. فلقد شهد عصره على امتداد ثلاثين عاما تهريب الآلاف من القطع الفرعونية إلى خارج مصر، ووضعها في متاحف عالمية، وعرضها في مزادات عالمية. وتورط مسؤولون كبار في الدولة في العديد من قضايا تهريب الآثار، وعرفت بقضايا الآثار الكبرى وأعلن عنها في ذلك الحين، وما أخفي كان أعظم..

لقد أعلنت وزارة الآثار في بيان رسمي لها عام 2017 عن اختفاء 33 ألف قطعة أثرية من مخازن الوزارة. هذا العدد المهول يدل على عدم حماية التراث المصري القديم، ووضعه تحت سيطرة أيد غير أمينة، جعلت الفساد يستشري في هذا القطاع المهم.

وقد سبق أن أعلن وزير الآثار الأسبق "زاهي حواس"، خلال مؤتمر في اتحاد الأثريين العرب، أن مصر فقدت 30 في المئة من تراثها، علماً بأنه ليس فوق مستوى الشبهات، بل إن أصابع الاتهام قد نالته كثيراً في الخفاء في عهد مبارك، وترددت شائعات كثيرة عن علاقته الوثيقة بأسرة مبارك، وتسهيلات قدمها لزوجته وأبنائه لتهريب الآثار.

وعادت لتتجدد في قضية الآثار الأخيرة الشهر الماضي، والتي أُعلن فيها عن القبض على التشكيل العصابي الضالع فيها، ومن أبرز المتهمين رجل الأعمال الشهير "حسن راتب"، والنائب السابق في البرلمان "علاء حسانين" والمعروف إعلامياً بـ"نائب الجن والعفاريت"، حيث اشتهر بعلاج المس والجن وله قناة تليفزيونية يتحدث فيها عن هذا الأمر. والاثنان تربطهما علاقات وطيدة بدولة الإمارات، والثاني صديق شخصي للسفير الإماراتي "حمد الشامسي" والذي حرص على زيارة حسانين في دائرته بصعيد مصر، فور توليه منصبه كسفير، مما أثار تساؤلات كثيرة عن أهمية زيارة السفير في هذا التوقيت، وتعمده زيارة مواقع أثرية مهمة وكنائس برفقة علاء حسانين، ما جعل الشائعات تحوم حول علاقة الإمارات بهذه القضية، وخاصة بعد سفر السفير الإماراتي المفاجئ إلى بلده عقب القبض عليهما..

ولقد ذكرت بعض المصادر الإعلامية أن شخصيات إماراتية رسمية وغير رسمية كثفت نشاطها في مصر مؤخراً للاستحواذ على كميات كبيرة من الآثار المصرية عن طريق شرائها من التجار أو التنقيب عنها واستخراجها، أو من خلال الحصول عليها من صفقات مع قساوسة ورهبان مقابل مبالغ مالية ضخمة وتحت غطاء التبرع لترميم الكنائس والأديرة..

من المعروف أن متحف اللوفر بالإمارات، يمتلئ بالآثار الفرعونية النادرة، ولقد ظهر "محمد بن زايد" في افتتاحه أمام تمثال برونزي للإلهة إيزيس وهي ترضع ابنها حورس، على الرغم من تأكيد وزارة الآثار على إحباط محاولة سرقته من متحف النوبة، إذن من أين أتى به ابن زايد؟!

لقد تساءل الخبثاء ومنهم كاتبة هذا المقال، عن اختيار هذا التوقيت بالذات للإعلان عن القبض على التشكيل العصابي الذي يضم شخصيات مقربة من الإمارات!

فمما لا شك فيه أن نشاط دولة الإمارات الاستخباراتي والعبث في الآثار المصرية لم يكن خافياً على السلطات المصرية، بل مرصود في كل خطواتها، وجاء سد النهضة ليرفع الغطاء ويكشف المستور..

لقد ذكرت مجلة "فورن بوليسي" الأمريكية أن أبو ظبي مولت شراء منظومة دفاع جوي روسي للجيش الإثيوبي لحماية سد النهضة، وفي آخر 2019 وقعت اتفاقية دفاع مشترك مع إثيوبيا ضد أي عدوان خارجي..

ولقد اعترف القائد العسكري لقوات "التيجراي" أن الإمارات دعمت الجيش الإثيوبي بالطائرات المسيرة في معاركه ضدهم..

في حقيقة الأمر، فإن "محمد بن زايد" الحاكم الفعلي لدولة الإمارات، يعمل ضد مصر، لصالح الصهاينة، وهذا هو دوره الوظيفي المكلف به. وقد تناولت في مقال سابق هذا الدور الوظيفي لدولة الإمارات بالتفصيل والتحليل، فلا يغرنك استقباله والاحتفاء به في مصر واصطحابه هو وأبناؤه وأحفاده في افتتاح القاعدة العسكرية البحرية منذ أيام، بل إن هذه الزيارة تؤكد ما وصلنا إليه، وخاصة مع حضور رئيس المجلس الرئاسي الليبي "محمد المنفي"، غريم ابن زايد..

لقد اخترقت دولة الإمارات الكثير من المجالات الحيوية الاستراتيجية في مصر، في صورة مشاريع واستثمارات وشراء أراض وعقارات ومستشفيات كبرى ومعامل التحاليل الطبية الشهيرة، مما أثار الريبة في نفوس المصريين وخاصة مع علاقاتها الحميمية بالكيان الصهيوني..

منذ أن أصبح ولي العهد "محمد بن زايد" الحاكم الفعلي لدولة الإمارات، بعد أن عزل أخيه "خليفة بن زايد" عن الحكم؛ وهو يعمل على تفجير الأوضاع في المنطقة. ولقد جعل الإمارات وكراً للموساد في المنطقة العربية، ومركزاً للثورات المضادة للتآمر على الأمة. فما من بلد عربي شهد اضطرابات أو حرباً أهلية بعد ثورات الربيع العربي، إلا وتجد الأيدي الخبيثة لدولة الإمارات ضالعة فيها، وليس بعيداً عنا ما تفعله في اليمن وليبيا وسوريا، ووصل دورها التخريبي إلى مصر..

إن طموح ابن زايد لا حدود له، والذي قد يصل لحد الجنون، فيريد أن يمتد نفوذه وسيطرته إلى خارج بلاده وإلى أبعد مما تراه الأعين، يريد أن يضع الدنيا تحت جناحيه، يطمع أن يشتري أو يسرق حضارات الآخرين، ليصنع لبلده الصغير في الحجم والعمر، والذي لم يكمل عامه الخمسين بعد، تاريخا عريقا يمتد لآلاف السنين. ومثل هذه الشخصيات على استعداد للتنازل عن كل الثوابت والتضحية بكل شيء من أجل تحقيق أحلامها، والتي غالباً ما تكون كارثية على الأمة. وفي التاريخ نماذج عدة من تلك الشخصيات الكارثية التي استخدمها أعداء الأمة لضربها من داخلها ليحل البلاء عليها، وقانا الله شرها وشر ابن زايد شرير العصر..

twitter.com/amiraaboelfetou