كتب

الحملة الفرنسية على مصر برواية جنودها.. قراءة في كتاب

الحملة الفرنسية على مصر كما عاشها الجنود الفرنسيون.. شهادات حية

الكتاب: جيش الشرق.. الجنود الفرنسيون في مصر 1798 ـ 1801
المؤلف: تيري كرودي
ترجمة: أحمد العدوي
الناشر: مدارات للأبحاث والنشر (ط1، القاهرة، 2017)

عندما هبت رياح الربيع في بلادنا العربية ذات شتاء من أواخر عام 2010 رافعة شعارات الحرية التي لطالما سالت دماء أبناء أمتنا من أجلها؛ مقاومة في مواجهة الاحتلال أو كدحا في سبيل دعم مؤسسات الدولة الوطنية، تعاظمت الآمال بقرب بزوغ شمس الشرق التي غابت لقرون طويلة مخترقة غيوم التآمر القريب منه والبعيد، مبشرة بصبح عربي تعلو فيه كلمة الإنسان وقيمته. 

وقد ترجمت الشعوب ذلك في شعارات بل وفي محطات سياسية قدمتها وسائل الإعلام على أنها ميلاد عربي جديد، بآمال عريضة لم يستطع علماء الاجتماع منحها التفسير المقنع، سوى أنها التعبيرة المباشرة عن حالة الاحتقان والتردي التي بلغتها منطقتنا. 

لكن عقدا واحدا من الحرية، أو قل من التدافع نحو الحرية في عالمنا العربي أعاد للذاكرة الجمعية العربية، وللأجيال الجديدة منها التي لم تعش مراحل الاستعمار الغربي لبلادنا صورا مازالت عالقة في أذهان من لا يزال حيا ممن عايشوا تلك المرحلة، جوهرها أن شروط نهضة الدول ليست فقط داخلية، وإنما أيضا خارجية تقوم على إدراك ميزان القوى الدولي وتوجهات القوى الرئيسية الفاعلة فيه. 

ومع أن التاريخ لا يعيد نفسه لأن الزمن ببساطة شديدة يتقدم ولا يتأخر، فإن العودة إلى التاريخ مهمة في فهم أحوال الدول والشعوب والأمم وإدراك أدوات التغيير فيها. ولقد شاءت الأقدار أن تكون دول وامبراطوريات كبرى كفرنسا وبريطانيا وإيطاليا ثم في وقت متأخر الولايات المتحدة الأمريكية، فاعلة بشكل كبير في تحديد مستقبل معظم دولنا العربية، ربما لأسباب تتعلق ليس فقط بموقع منطقتنا الجغرافي الاستراتيجي، وإنما أيضا بشروط التدافع بين تلك الدول على قيادة العالم.

وعلى الرغم من التراجع الظاهري للإرادة الاستعمارية، أو قل لإرادة الهيمنة وراء شعارات الحقوق الكونية للإنسان، فإنه لا أحد ينكر اليوم أن الغرب كان له دوره المؤثر في مسارات سياساتنا العربية، ليس منذ اندلاع رياح الربيع العربي الحديثة، وإنما منذ قرون طويلة؛ ولذلك لا يمكن لعارف بالتاريخ المصري القديم منه والحديث والمعاصر، أن يغفل حملة نابليون على مصر أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، ليس لأنها كانت فارقة في التاريخ المصري، وإنما لأنها تختزن جزءا من صراع النفوذ بين القوى الدولية العظمى.

ضمن هذا الإطار نعود غالبا للتاريخ، ليس حنينا وإنما لفهم سيرورة التاريخ ولماذا آلت الأوضاع العربية إلى ما آلت إليه. وفي هذا السياق أيضا، نعيد قراءة كتاب "جيش الشرق: الجنود الفرنسيون في مصر 1798 ـ 1801"، للباحث البريطاني المتخصص في تاريخ الحروب النابليونية، تيري كرودي، نقله إلى العربية، أستاذ التاريخ الإسلامي، أحمد العدوى. وهو ترجمة للكتاب المعنون (French Soldiers in Egypt, 1798-1801, The army of Orient )، الذي نُشر برقم 77 ضمن سلسلة تحمل عنوان "المقاتل" (Warrior)، دار نشر
 Osprey Publishing, Oxford, 2003.

الكتاب الصادر عن مدارات للأبحاث والنشر (ط1، القاهرة، 2017)، عبارة عن "شهادات حية لرجال الحملة ـ عسكريين ومدنيين ـ لم يداخلها التَّفسير أو التَّحليل أو التَّأويل، وقد تركها المؤلف ـ بمهارة ـ تجري على ألسنة أصحابها، ولم يتدخل في هذا السرد إلا قليلا" (ص 12).
 
عرض المؤلف شهادات كثيرة لعدد من الضباط والجنود والمدنيين الناجين من رجال الحملة ـ التي يستأثر أرشيف شاتو دي فينسين (Chateau de Vincennes) بمعظمها ـ عن مختلف أوجه حياتهم في مصر، وانطباعاتهم عنها، ودورهم في الأحداث التي شاركوا فيها.

غطت شهادات الجنود نطاقا واسعا من جوانب حياتهم إبان مقامهم بمصر، فسنسمع أصواتهم منذ الحشد للحملة والاستعدادات للإبحار، ولا سيما عبر مواني تولون (Toulan)، وتشيفيتافيكيا  (Civitavecchia)، وجنوة (Genoa). وسنتعرف على دوافع كثير منهم للانضمام إلى الحملة، كما سنقف عن كثب على تخميناتهم بخصوص أهداف الحملة، وعلى جوانب من حياة جنود الحملة على متون السفن، حتى وطأت أقدامهم الشواطئ المصرية مرورا بأوضاعهم النفسية وحالتهم المعنوية بعد شيوع نبأ غرق أسطولهم في أبي قير. ومعرفتهم بأن وعود نابليون بإعادتهم إلى فرنسا بعد ثلاثة أشهر، قد ذهبت أدراج الرياح بعد أن تقطعت السبل بهم في مصر. (ص 36 ـ 68).
 
تشير الشهادات أيام الجنود الفرنسيين الأولى في مصر إلى أنه "لم يكن ثمَّ خيار أمام الجنود الفرنسيين إلا البقاء في مصر، على الأقل خلال المستقبل المنظور" (ص 69). ولا سيما قد وجدوا أنفسهم في عالم آخر! فيسهبون في الحديث عن الأوضاع في مصر، "فقد كان هناك الكثير من السلع التي أغرت الجنود بشرائها، ليحتفظوا بها جنبا إلى جنب مع غنائمهم" (ص 70). وأظهر الفرنسيون حماسا "عند الحديث عن الحمامات العامة على الطراز العثماني" (ص 74). وتكيف الفرنسيون "مع الطرق المصرية الأخرى في الحياة، كعادات شرب القهوة القوية، وتدخين التبغ عبر النارجيلة" (ص 75). 

 

انسحب الفرنسيون انسحابا مذلا بعد فشلهم في اقتحام عكا" (ص 166). وانهارت سمعة نابليون ، فلم يعد ذلك "القائد المُلهَم الذي لا يُقهر". ولم يمض وقت طويل، "حتى قرر بونابرت مع مساعديه المقربين ترك الجيش سرا، والعودة إلى فرنسا"

 



ويقف القارئ على بعض الإجراءات التي اتخذتها قيادة جيش الشرق تجاه إدمان الجنود ـ المنهارين معنويّا ـ لنبات القُنَّب الهندي (الحشيش). (ص 77 ـ 78). وكذلك على شكايات الجنود المتكررة من المناخ والحشرات والهوام والأمراض المُتوطِّنة وتأثير ذلك عليهم (ص 92 ـ 96). وكان لدى معظم الجنود الفرنسيين، بحسب المؤلف، "قدر من المعرفة الأساسية عن فراعنة مصر من خلال قراءة "الكتاب المقدس"، ومثلهم في ذلك مثل السائحين في العصر الحديث، توافد الفرنسيون على أهرامات الجيزة لمشاهدتها" (ص 96). وخلال الحملة على الشام، "خاض كثير من الفرنسيين، في الحديث عن المشاهد بالأراضي المقدسة" (ص 100). تحدث المؤلف عن "الطرق والحيل التي لجأ إليها الفرنسيون للإحلال والتجديد وتدعيم صفوفهم، بعد غرق أسطولهم وانقطاع المدد عنهم" (ص 101 ـ 110).
 
يتناول المؤلف أخبار الحملات والقتال، فقد "كانت الحرارة المفرطة خلال النهار، بالإضافة إلى شُح المياه الصالحة للشرب هي أصعب ملامح الحياة بالنسبة لجنود الحملة" (ص 111). فـ"خضع زي المشاة لعدة تعديلات في مصر، في محاولات للتكيف مع المناخ المصري" (ص 115). 

يمضي المؤلف قُدما مع الجنود الفرنسيين ليستطلع آراءهم في فُرسان المماليك وأساليبهم في القتال، ونتعرف عن كثب على تفسيراتهم لأسباب فشل المماليك والعثمانيين، واستمرار هزائمهم، المعركة تلو الأخرى مع الجيش الفرنسي من شبراخيت والأهرام إلى سدمنت والناصرة وأبي قير وعين شمس (ص 117 ـ 128). تشير الشهادات إلى أن الفرنسيين وقعوا في ورطة حقيقة عندما شرعوا في غزو الأرض المقدسة، "فأولا في العريش، وثانيا في غزة، حيث عرقلت المقاومة هناك تقدمهم إلى حد كبير. ثم لم يلبث أن انفجر إحباط الجنود المتزايد في يافا أخيرا، ولا سيما وقد ذهب الجنود الفرنسيون إليها وهم مُتهيجون" (ص 155 ـ 156). 

وتخبرنا شهادات الجنود الفرنسيين على تفاصيل مجزرة مروعة ارتكبت في يافا، "فلثمان وأربعين ساعة، ذاقت تلك البلدة ما هو أكثر من ويلات الحرب نفسها... حيث اكتظت الشوارع بالجثث، وحيث يمكن أن يرى الأطفال المذبوحون ملقين على صدور أمهاتهم، وحيث يمكن سماع عويل النساء اللائي فقدن أزواجهن" (ص 157). ويظهر من خلال كتابات الجنود الفرنسيين أن "حصار عكا كان مختلفا تماما عن كل ضروب الحصار السابقة (...) [فـ]قد أظهروا عزما لا يلين على مقاومة بونابرت" (ص 160). وكان الكيل قد فاض بالجنرال كليبر، "إذ أوضح صراحة ـ وعلى الملأ ـ استياءه من إدارة بونابرت السيئة لحصار عكا" (ص 162). و"انسحب الفرنسيون انسحابا مذلا بعد فشلهم في اقتحام عكا" (ص 166). وانهارت سمعة نابليون، فلم يعد ذلك "القائد المُلهَم الذي لا يُقهر". ولم يمض وقت طويل، "حتى قرر بونابرت مع مساعديه المقربين ترك الجيش سرّا، والعودة إلى فرنسا" (ص 181).
 
على مدى مائة وأربع وتسعين صفحة من القطع الكبير، جاء هذا الكتاب، ليوثق شهادات رجال الحملة، ودورهم في الأحداث التي شاركوا فيها، حيث ترك مؤلف هذا الكتاب العنان لذكريات رجال الحملة الفرنسية في مصر، تتدفق على ألسنة أصحابها لتعبر بأبلغ عبارة عن حياة الجنود الفرنسيين.


*كاتِب وباحِث فلسطيني