قضايا وآراء

لبنان والعالم في زمن المنجمين

1300x600
إنه زمن العرافات يا سادة، إنه زمن المنجمين والمنجمات، زمن يختلط فيه جزء من الحقيقة بعجينة الكذب.. ولكن للأسف معظم الناس يحبون من يكذب عليهم، إما لأنهم بحاجة للأمل والشاعر يقول: أعلل النفس بالآمال أرقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل، وإما لأن الناس ملوا من الحقائق وأثقلتهم جراحهم وضعفهم أمام هول المأساة. وقد يكون الناس يئسوا من كل شيء؛ الحاكم والحكام والوقائع على اختلافها من سياسية واقتصادية واجتماعية، فارتموا في أحضان أهل البيضة والحجر، أهل الفنجان وأهل الصور المرئية من عالم آخر غيبي لا يعلمه إلا الله.

وبكلام آخر أصبحنا في لبنان والعالم أسرى توقعات المنجمين والمشعوذين في زمن القحط السياسي، وزمن غياب الرجال الرجال الذين يرسمون الحدث ويجعلون شعوبهم ترقب لحظات وقوعه وهي على يقين بأنه واقع لا محالة.

وحتى لا تفوتني اللحظة، علما أنني لست من المنجمين ولا أنتمي إلى هذا المجتمع الذي يتصدر الشاشات والفضائيات والمدونات والصحف الورقية وإلكترونية، فقررت أن أشرككم توقعات العام 2022 على كافة الصعد:

أولا- لبنانيا:

- الانتخابات النيابية ستجري في أيار/ مايو القادم ليس لرغبات الأطراف الداخلية إنما بضغط المجتمع الدولي، ولكن للأسف لن تفضي إلى التغيير المنتظر، وعليه ستجدد الطبقة السياسية شبابها بمن حضر.

لا شيء سينتشل لبنان من أزماته الاقتصادية ما لم يدرك الطباخون الرئيسيون أن قوام عودة الاقتصاد يبدأ بخطة تعاف حقيقية؛ متزامنة مع إجراءات في العمق لبلورة سياسات اقتصادية ومالية قوامها اتفاق في الجوهر مع صندوق النقد، وهو الذي لن يبصر النور قبل الانتخابات ونتائجها!! والشروع في إصلاحات اقتصادية عنوانها هيكلة القطاع العام وترشيده وترشيقه، إضافة إلى حل مسألة الدين العام ضمن الأطر القانونية وليس سياسة التعاميم من هنا وهناك. ولب الإصلاحات في قطاع الكهرباء الذي أكل الأخضر واليابس، فما جدوى كل الإجراءات والثقة في كل شيء تساوي صفرا مكعبا؟

للأسف سيزداد الفقر مثلما تضاعف بين 2019 و2021 من 40 إلى ما يفوق 80 في المائة، وعليه للأسف ستزداد معدلات الجريمة والقتل والنشل.

التضخم سيتابع مسيره وربما سننافس فنزويلا والأرجنتين، حيث أرقام التضخم ستحلق فوق الألف في المائة، كحال المحروقات التي ارتفعت إلى أرقام قياسية؛ من 24000 ألف ليرة إلى 345000 ألف ليرة للصفيحة الواحدة من البنزين.

أرى في نهاية 2022 فراغ في كافة المؤسسات الدستورية التنفيذية من الرئاسة إلى مجلس الوزراء، وستعود التسويات لتفعل فعلها في بلاد ما اعتادت إلا التسويات منذ مئة عام حتى اليوم!!

ثانيا- إقليميا:

ستبقى الجراح السورية للأسف مفتوحة، وتبقى التجاذبات والمؤتمرات من دمشق إلى أستانة وموسكو، ولا حلول حقيقية لأن المجتمع الدولي حتى الساعة لم يبلور تصورا واحدا للحل.

الغارات العدوانية الإسرائيلية في الكثير من أرض الوطن العربي ستبقى تضرب بحجج وبلا حجج، وستمضي إسرائيل بالعدوان في كل مكان، حيث الواقع يقول لا رادع (مين فرعنك يا فرعون لا أحد يردعني). ولكن الأمل باق مهما طال الزمن، حيث الحكمة تقول: زمن الباطل ساعة وزمن الحق إلى قيام الساعة.

المفاوضات السعودية- الإيرانية ستتتابع، ولكن لا نتائج ستتمظهر لأن حجم الفجوة بين الطرفين أكبر من أن تردم فقد كثرت جراحها وساحاتها، فحلها قد يبدأ من مكان أبعد من طاولة التفاوض نفسها.

أما العراق الحبيب، فستبقى رحلة البحث عن رئيس الوزراء ساعات وأياما وشهورا قادمة، حتى يعود نموذج دولة الرئيس مصطفى الكاظمي؛ الأمريكي الهوى، الغربي الطابع، الشيعي المذهب، العراقي الانتماء، الإيراني القبول، العربي السمات، فإما وجه بهذه المواصفات أو يعود الكاظمي بنسخته الجديدة.

أما ليبيا الحبيبة، فالحال يحتاج إلى وقت للاتفاق بين الكبار لبلورة صورة حل على غرار الطائف اللبناني يفضي إلى سلطة مقتسمة بين كل الأطراف. فالجبنة الليبية تحتمل الكثير من التوزيعات، فالرئاسة لإقليم ورئاسة الحكومة لإقليم آخر ورئاسة السلطة التشريعية في إقليم آخر، فيرضى أهل المغانم وتسقط ليبيا - لا سمح الله - في لعبة الفساد المالي والإداري والسياسي. والحال في الأوطان السابقة لن يختلف كثيرا.

أما اليمن والسودان، فالتجارب تقول إن الأيام القادمة ستمضي ضمن المعادلة اللبنانية القائلة ("هبة بردة وهبة ساخنة".

فاليمن يحتاج إلى اتفاق أبعد من صنعاء ومأرب وباب المندب، والسودان يحتاج إلى تجليات جديدة ضمن لعبة الأمم الأمريكية وربما الإسرائيلية في الترسيم الجديد ضمن القارة الأفريقية، وتحديدا السودان وما حوله، وهنا لا بد من الإشارة للقول: حمى الله مصر وأهلها الطيبين.

ثالثا- دوليا:

سيبقى كورونا وأزلامه من كوفيد إلى دلتا وصولا إلى أوميكرون؛ يلعبون بالاقتصاد العالمي الذي تلقى من الضربات ما يكفي وبخسارات تفوق 15 تريليون دولار خلال عامين. والأمل أن يكون أوميكرون آخر الواصلين المتحورين لإنهاء هذا الكابوس.

وفي التفاوض الإيراني مع الأمريكان والعالم، قد تطول مدة التفاوض وشروطه من هنا وهناك، إلا أن الحقيقة تؤكد أن المصالح العملية لكلا الأطراف تحتاج إلى مزيد من التنازلات. وأرى أن التسوية قادمة؛ لا كما ترغب أمريكا وحكما ليس كما ترغب إيران، إنما بصيغة التسوية التي تحفظ ماء الوجه لكل اللاعبين، والتي قد تقود إلى هدنة نووية في عالم متعب من مشكلاته المتزايدة.

وستبقى أسعار النفط والذهب تتصدر الشاشات تارة خضراء وتارة حمراء، وقلوب المستثمرين تتراقص مع الشاشات وألوانها، إلا أن الأكيد أن أسعار الغاز وحروبه الممتدة من روسيا إلى أوكرانيا والناتو وخلفهما أمريكا ستتصاعد، لكن بعيدا عن الحرب التقليدية، فلا أحد يرغب بالحروب في زمن الانهيارات وعدم اليقين الاقتصادي.

سيبقى حوض المتوسط وثرواته الأحفورية موضع تنازع من تركيا إلى مصر وليبيا وفرنسا واليونان وقبرص بشقيها وسوريا، والأكيد أكثر أن لبنان في خضم معركة ثرواته لترسيم الحدود مع الإسرائيلي التي ربما ترسم بالدم.

اللاجئون في العالم سيبقون طوافين من حدود إلى حدود ومن مركب إلى مركب، يركبون الموت هربا من موت أوطانهم. وستبقى المأساة تكبر من جيل إلى جيل، ولكم في فلسطين وشتاتها أكبر دليل على تقاعس الجميع.

سنسمع كثيرا عن صعود الصين أو هبوط الولايات المتحدة، وحروب في المحيط الهندي والهادئ، إلا أن الحقيقة تقول: "إن ما يجمع الكبار أكبر من إن يفرقهم". فلا العقوبات أفلحت، ولا العزل غيّر شيئا في زمن التيك توك والإنستغرام وفيسبوك وتوتير والعولمة المفتوحة..

في الختام، ستستضيف دولة قطر نهائيات كاس العالم نهاية 2022، فكل التوفيق لها إعدادا وتنظيما ومشاركة، وعلى أمل أن تكون المشاركة العربية في البطولة على قدر التطلعات والآمال.

نستودعكم عاما قاسيا مضى.. وكل عام وأنتم بخير.