قضايا وآراء

"المأزق التونسي" بين بؤس الواقع وخطابات "الخلاص"

1300x600

تصدير: "من علامات المأزق ألاّ يندثر القديم ولا يولد الجديد" (أنطونيو غرامشي)

لو بحثنا في السجل اللغوي للجُمل السياسية التونسية منذ الثورة لوجدنا أن أغلب المفردات كانت تعكس أزمة بنيوية -وتُبشّر بأزمات دورية- منذ المرحلة التأسيسية للجمهورية الثانية. فرغم تداول النخب المهيمنة لكلمات من قبيل "التأسيس" أو "الانتقال الديمقراطي" و"المشترك الوطني"، فإن ما حكم سجالاتها كان روح الاستعلاء والنفي المتبادل وعدم الاعتراف المبدئي بالحق في الاختلاف الجذري، لا فقط الاختلاف مع الشبيه والجنيس. وهو أمر جعل الصراعات تدار -من لدن النخب العلمانية خاصة- بسجل "الإنقاذ" و"التصحيح" و"التخوين"، وغيرها من الكلمات التي لم تعكس قطيعة حقيقية مع الزمن الاستبدادي ومنطق أحادية الصوت والحقيقة والاستعلاء على الإرادة الشعبية.

لقد أديرت المرحلة التأسيسية ومخرجاتها دون وجود توافق مبدئي دائم (لا توافق براغماتي ومؤقت) على "المشترك الوطني"٫ أو "الكلمة السواء" التي يلتزم بها كل الفاعلين ويبنون مواقفهم تحت سقفها، وهو ما أوجد مناخا عاما تحكمه الرغبة في الهدم وإعادة التأسيس، أي مناخا للانقلاب على كل شيء، بدءا من استحقاقات الثورة والوعود الانتخابية، مرورا بالانقلاب على نتائج الانتخابات، وانتهاء بالانقلاب على النظام السياسي والدستور ذاته.

كان "تصحيح المسار" (أو سمّه إن شئت انقلاب 25 تموز/ يوليو) اللحظة التي انتصر فيها الوعي الانقلابي من جهة أولـى، كما كان النسخة الأكثر فاعلية من الأطروحات "الخلاصية" ذات الجذر اللاهوتي -رغم ظاهرها المُعلمن- من جهة ثانية. وقد لا يكون من باب الصدفة أن يتطور بديلها أو ضديدها السياسي إلى "جبهة الخلاص الوطني"

انطلاقا من هذه المقدمة، فإن إجراءات 25 تموز/ يوليو لم تكن -بصرف النظر عن التوصيفات المتباينة لها- إلا اللحظة التي بلغت فيها أزمة التأسيس للجمهورية الثانية لحظة انفجارها. فمهما كان حجم التدخل الأجنبي في تلك الإجراءات ومساراتها، ومهما كانت "الطوبى" التي تحكم الرئيس ومناصريه من جهة أولى، والمصالح التي تحكم حلفاءه الموضوعيين في الدولة العميقة من جهة ثانية، فإن تهاوي الجمهورية الثانية وغياب مقوّمات الممانعة في كل المؤسسات وفي أغلب "الأجسام الوسيطة"، يدلاّن على هشاشة المنجز الديمقراطي و"قابلية الانقلاب" التي كانت تخترق مسار الانتقال الديمقراطي.

لقد كان "تصحيح المسار" (أو سمّه إن شئت انقلاب 25 تموز/ يوليو) اللحظة التي انتصر فيها الوعي الانقلابي من جهة أولـى، كما كان النسخة الأكثر فاعلية من الأطروحات "الخلاصية" ذات الجذر اللاهوتي -رغم ظاهرها المُعلمن- من جهة ثانية. وقد لا يكون من باب الصدفة أن يتطور بديلها أو ضديدها السياسي إلى "جبهة الخلاص الوطني"٫ مع ما يحمله مفهوم الخلاص من شحنة مسيحانية قد تساعد على منافسة أطروحة الرئيس وبديله السياسي الذي يندرج هو الآخر في أفق خلاصي.

لعل من أهم خصائص طوبى "الخلاص" أنها تشتغل بمنطق البديل الجذري لكل الأطروحات السابقة. ولكن من خصائصها أيضا هي تقديمها لرمزيات ونخب جديدة، وكذلك مراجع نهائية ومطلقة للمعنى "الصحيح". ورغم العلمنة الظاهرة في الكثير من الفلسفات السياسية الحديثة، فإنها حافظت في بنيتها العميقة على ملمح "خلاصي" أو ملمح ذي جذر ديني؛ لا يمكن أن تخطئه القراءة المعمقة التي تتجاوز الملفوظات والنوايا أو المقاصد الواعية. ولم تشذّ الماركسية التي ينتمي إليها الفكر المجالسي أو الديمقراطية المباشرة عن هذا الوصف، إنها في عمقها فلسفة سياسية "خلاصية"، وهو ما أثبته العديد من الدارسين ولا يحتاج إلى تفصيل القول فيه ضمن هذا المقال.

كما أن مفهوم "الكتلة التاريخية" الذي يقف وراء "جبهة الخلاص الوطني" (أو يقف أمامها باعتباره أفقا لبناء المشترك الوطني بعيدا عن الصراعات الهوياتية ومنطق النفي المتبادل بين الإسلاميين والعلمانيين) يظل هو الآخر مجرد طوبى أو مجرد طرح "خلاصي" يُبشّر -مثله في ذلك كمثل طرح الرئيس- بتجاوز الأطروحات التقليدية المتسببة في الأزمة السياسية الحالية.

بعد ما تقدم، قد يذهب قارئ هذا المقال إلى أن الكاتب يُسوي بين الطرح الخلاصي الرئاسي الذي تعكسه إجراءات 25 تموز/ يوليو وخارطة طريقها، وبين الطرح الخلاصي الذي تمثله "جبهة الخلاص الوطني" ومكوّناتها. ولرفع هذا اللبس، فإن علينا أن نبرهن على وجود اختلاف جذري بين الأطروحتين، وهو ما يشرّع لبناء حكم قيمي تجاههما ويدفعنا إلى الانحياز للأطروحة المعارضة للرئيس، رغم بعض احترازاتنا المعروفة عليها.

فالرئيس يدفع بالمنطق "الخلاصي" إلى نهاياته الاستبدادية التي تتعارض جذريا مع منطق الحوار أو التشاركية وتعددية الحقيقة وشرعية الأجسام الوسيطة، باعتبار ذلك كله أساس الديمقراطية التمثيلية مهما كان شكل النظام السياسي الذي يحكمها (رئاسي/ برلماني معدّل/ برلماني صرف). وبالإضافة إلى ذلك، أظهر مسار "تصحيح المسار" أنه مسار مفتقد للشرعية، أو على الأقل هو مسار يضرب في فقدان الدعم الشعبي (الأمر الذي أكده فشل الاستشارة الإلكترونية والتحركات المناصرة للرئيس)، كما أثبت عجزه عن بناء أية مشروعية ترتبط بالإنجاز في مستوى مكافحة الفساد أو تحسين المستوى المعيشي لعموم المواطنين.

رغم كل الانتقادات المشروعة لـ"جبهة الخلاص الوطني"، فإنها تظل -من منظور العيش المشترك تحت سقف ديمقراطي- أفضل من المشروع الرئاسي. وإذا ما كانت الجبهة إلى لحظتنا هذه -في نواتها الصلبة- مجرد تجميع لبعض مكونات التوافق وما يصاحبها من سمعة سيئة نتيجة محصول الحكم منذ المجلس التأسيسي، فإنها تحمل بين طياتها إمكانا تاريخيا للتحول إلى "كتلة تاريخية" جامعة. ونحن لم نتحدث عن "إمكان تاريخي" إلا لوعينا بصعوبة الانتقال من كتلة سياسية "براغماتية" يحكمها منطق التضاد الوجودي مع مشروع الرئيس؛ إلى كتلة تاريخية تؤسس لزمن سياسي جديد يقطع مع زمن التوافق المبني على شروط المنظومة القديمة، ويقطع أيضا مع زمن الاستئصال بصيغته اللينة والصلبة.
إذا ما كانت الجبهة إلى لحظتنا هذه -في نواتها الصلبة- مجرد تجميع لبعض مكونات التوافق وما يصاحبها من سمعة سيئة نتيجة محصول الحكم منذ المجلس التأسيسي، فإنها تحمل بين طياتها إمكانا تاريخيا للتحول إلى "كتلة تاريخية" جامعة

إننا أمام "مشروع تاريخي" مفتوح على أكثر من مسار. فقد لا تكون "جبهة الخلاص الوطني" (مهما كانت مخرجات الصراع الحالي) إلا واجهة لإعادة تدوير منطق التوافق وإعادته إلى الحكم، ولكنها قد تكون أيضا لحظة تجاوز جدلي لهذا المنطق الذي كان هو الآخر انقلابا ناعما على استحقاقات الثورة وانتظارات المقهورين والمقموعين.

أما الرئيس فقد أثبت من خلال إدارته المنفردة لمسار "تصحيح المسار" أنه يحمل مشروعا سياسيا لا يبشر إلا بنظام رئاسوي استبدادي؛ يقوم على عبادة الزعيم وتحصين قراراته من المساءلة والطعن، نظامٍ يحتكر فيه "المُخلّص" تمثيل الإرادة الشعبية وينفي الحاجة إلى مختلف الأجسام الوسيطة رغم استحالة بناء ديمقراطية حقيقية، بل استحالة وجود نظام شرعي عند غيابها أو تدجينها كما هو واقع الأمر في تونس بعد 25 تموز/ يوليو الماضي.

 

twitter.com/adel_arabi21