ملفات وتقارير

اتهامات لأوقاف الأقصى.. وملك الأردن بواشنطن للضغط على بينيت

قرار منع الاعتكاف في المسجد الأقصى باستثناء العشر الأواخر من قبل الأوقاف الأردنية أشعل حالة من الغضب والرفض- القسطل

على نحو متسارع تتزايد حدة الاشتباك السياسي بين الأردن صاحب الوصاية على المقدسات في القدس المحتلة، وبين حكومة نفتالي بينيت، وتحديدا عقب تصريح الأخير الأسبوع الماضي، بأن "جميع القرارات المتعلقة بالمسجد الأقصى ومدينة القدس سيتم اتخاذها من قبل إسرائيل"، التي اعتبرها "صاحبة السيادة على المدينة، بغض النظر عن أي اعتبارات خارجية".


تصريحات بينيت التي أزعجت صانع القرار بالمملكة، أعقبها بيوم إعلان الحكومة الإسرائيلية، موافقتها على طلب أردني بزيادة عدد حراس المسجد الأقصى بـ50 عنصرا، بشرط التخلي عن حراس حاليين محسوبين على حركة "حماس" الفلسطينية وفق زعمها، حيث أثار هذا الإعلان وزارة الأوقاف الأردنية، التي صرّح مصدر مسؤول فيها "بأن مسؤولية تعيين الحراس والموظفين في الأقصى، لا تقبل المشاركة أو الإملاء من أية جهات كانت، بما فيها حكومة الاحتلال الإسرائيلي".

ورغم حالة التوتر البارزة بين عمّان وتل أبيب حيال المسجد الأقصى والتي استدعت تدخلا أمريكيا بين الحليفين المهمين في الشرق الأوسط للتهدئة، برزت معلومات تحصلت عليها "عربي21"، أبرزت جانبا مهما في سلوك الأوقاف الأردنية المشرفة على الأقصى، حيث وجه مقدسيون اتهامات بوجود حالة تماه في بعض الأحيان بين "الأوقاف" وشرطة الاحتلال، تمثل في حديث عن تنسيق أمني شبه مباشر بين إدارة الأوقاف وشرطة الاحتلال في ما يخص ملف المرابطين وتحركاتهم ونشاطهم وخططهم داخل المسجد.

مصادر "عربي21" تحدثت عن قيام موظفي الأوقاف بالمساهمة في إزالة الردم الذي بناه المرابطون داخل المسجد الأقصى خلال أيام العشر الأواخر من رمضان، وتحديدا في الطريق الذي يستهدفه المستوطنون في اقتحاماتهم من جهة الساحة الشرقية، حيث تفاجأ المرابطون – بحسب المصدر- بأن "الردم الذي كوموه ووسعوا نطاقه على مدى أيام العشر الأواخر لمنع الاقتحامات قد أزيل، وبينما جرى تداول مقطع فيديو لعدد صغير من عناصر شرطة الاحتلال يزيلون بعض الحجارة، فقد بقي السؤال الملح: كيف أزيل هذا الردم؟ ومن أزاله؟". 

استعانت "عربي21" بمصادر استقصائية متعددة، وتواصلت بشكل مباشر مع عدد من المسؤولين والموظفين في الأوقاف الإسلامية في القدس، وخلصت إلى أن "الردم أزيل ما بين الساعة الـ5:00 والـ7:00 من بعد فجر يوم الثلاثاء 3-5-2022، ثاني أيام عيد الفطر، وذلك لتجنب وجود المرابطين والمصلين في الأقصى، وقبل دوام الموظفين الراتبين الذين يحضرون إلى المسجد الأقصى في الساعة السابعة صباحاً".

 

اقرأ أيضا: قلق إسرائيلي من تصاعد التوتر مع الأردن بسبب المسجد الأقصى


وزادت المصادر بأن الردم أزيل بواسطة جرافة الأوقاف الصغيرة "تمتلك الأوقاف اثنتين منها تستخدمان لإزالة الحجارة بعد المواجهات وفي تنظيف الأقصى ونقل الحجارة الثقيلة، حيث تبين بعد المعاينة أن الجرافة أزالت الردم في التاريخ المذكور وأن آثار عجلاتها كانت ماثلة للعيان". 

 

وكان قرار الأوقاف الأردنية القاضي بمنع الاعتكاف في المسجد الأقصى المبارك باستثناء العشر الأواخر من رمضان، قد أثار موجة غضب عارمة على مواقع التواصل الاجتماعي في فلسطين وخارجها.

 

 

 


وجاء قرار منع الاعتكاف في المسجد الأقصى خلال رمضان، في الوقت الذي تهدد فيه جماعات الهيكل المزعوم بذبح القرابين في المسجد.

وحل ما يسمى "عيد الفصح" العبري هذا العام، متقاطعاً مع الأسبوع الثالث من شهر رمضان المبارك، ما بين 16 و22 من شهر نيسان/ أبريل الماضي.

ودشن حينها ناشطون عبر موقع "تويتر" وسما بعنوان: " #منع_الاعتكاف_خذلان"، هاجموا فيه قرار الأوقاف الأردنية المسؤولة عن إدارة المسجد الأقصى، مؤكدين على حق الجميع في الاعتكاف طوال أيام الشهر المبارك، لافتين إلى أن هذا الأمر يعتبر تحقيقا لرغبة الاحتلال.

واعتبر نشطاء أنّ القرار يثبت "وظيفة الأوقاف الأردنية في خدمة المستوطنين"، متسائلين عن دورها الحقيقي في الوصاية على المقدسات.


حراس المسجد وتعيينهم

 

في السياق ذاته قال الباحث المختص في شؤون المسجد الأقصى، زياد ابحيص، إن إعلان الاحتلال عن قبوله زيادة الحراس التابعين للأوقاف الأردنية "يكرس أكثر فأكثر أن الاحتلال هو المتحكم الذي يضع نفسه في موقع الأصيل، فهو من يمنح الإذن بتعيين حراس الأقصى، وهو من يوافق على ذلك".

ولفت إلى أن "تعيين حراس المسجد منذ عام 1950 وحتى 2017 كان شأناً يخص الأوقاف الأردنية وحدها، بصفتها الجهة الإسلامية التي تدير الأقصى كمقدس إسلامي"، لافتا إلى أن الموافقة الإسرائيلية على تعيين الحراس يوضح حقيقة الدور الذي وصلت إليه الأوقاف الأردنية في الأقصى.

وبين أن الاتفاق على زيادة عدد الحراس "جاء عقب تصريحات بينيت التي قصدت أن تضع ما سيعلَن بعدها تحت مظلة السيادة الصهيونية، وإعلان اتفاقات بعد ذلك، هو إقرار ضمني من الأردن الرسمي بالطبيعة الوظيفية للأوقاف تحت هذه السيادة".

 


اقرأ أيضا: ما أبعاد التوتر بين الأردن والاحتلال حول السيادة على الأقصى؟


ورجح ابحيص في حديثه لـ"عربي21" أن "اتفاق زيادة حراس الأقصى جاء بوساطة أمريكية، وضعت الولايات المتحدة في موقع من يقرر مصير المقدس الإسلامي".

وأشار إلى أن "آخر وساطة أمريكية في الأقصى جاءت على يد جون كيري في 24 تشرين الأول/ أكتوبر 2015، حيث منحت الصهاينة مكتسبين كبيرين: هما حق الزيارة، وتركيب كاميرات مراقبة لنقل المسؤولية الأمنية داخل الأقصى لشرطة الاحتلال، وهو الاقتراح الذي اضطر الأردن للتراجع عنه في 18 نيسان/ أبريل 2016 تحت الضغط الشعبي".

ورأى ابحيص أن "هذا الاتفاق يفرض على الأردن التزامات مقابل توظيف الحراس، وهي غالباً التعهد بضبط الأمن في الأقصى، وقد سبق لمسؤولين أمنيين صهاينة أن أفصحوا عن ذلك؛ وهذا إن حصل فسينعكس مزيداً من التنسيق والتعاون ضد حالة الرباط والاشتباك في الحرم القدسي".

وأضاف أن هذا السيناريو إن حصل "فسيُفقد الدور الأردني في الأقصى ما تبقى له من مشروعية شعبية، وهذه بحد ذاتها مصلحة صهيونية خالصة؛ لأنها ستجعل الإدارة الإسلامية الحالية للأقصى تنهي نفسها بيدها".

الوصاية الأردنية عائق بوجه الاحتلال 

 
في المقابل يرى وزير الإعلام الأردني الأسبق، سميح المعايطة، أن الوصاية الهاشمية "تمثل عائقا أمام المشروع الصهيوني لتهويد القدس والمقدسات، وكل عمليات العدوان والتجاوزات الصهيونية تعبر عن هذا المشروع"، مستدركا في حديثه لـ"عربي21": "لكن الوصاية الهاشمية الموجودة قبل قيام كيان الاحتلال جزءٌ من معاهدة السلام، وإذا كان هناك أي إجراء حقيقي ضد الوصاية؛ فهذا يعني القفز عن المعاهدة".

ولفت المعايطة إلى أن "الحكومة الصهيونية تعاني من وضع داخلي صعب، وهناك تربص قوي ضدها من قبل المعارضة، وعلى رأسها نتنياهو، ولهذا فهي تحاول أن تذهب إلى أقصى درجات التطرف، وأن تبدو أمام المجتمع الإسرائيلي أنها قوية، بعكس الصورة التي يرسمها رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق بنيامين نتنياهو لها".

وأضاف أن "إسرائيل، ورغم كل سياساتها العدوانية، فإنها معنية بالعلاقة مع الأردن، وهناك مراكز قوى في كيان الاحتلال تدرك أن خسارة هذه العلاقة - رغم كل التوسع في علاقات إسرائيل في العالم العربي - تعد خسارة كبيرة، نظراً لاعتبارات عديدة".

وأكد أن "الحكومة الصهيونية تريد أن تبقى، وتريد أن تُفشِل جهدَ معارضيها، وتريد علاقات مع الأردن، وتريد إرضاء المتطرفين الصهاينة، وتريد الاستمرار في مخطط تهديد القدس، وهذه متناقضات من الصعب الجمع بينها، ولهذا فنحن نرى التناقض بين بعض مواقفها".


اقرأ أيضا: الاحتلال يرفض طلبا أردنيا بزيادة 50 حارسا في المسجد الأقصى


بدوره يرى المحلل السياسي حازم عياد، أن هناك محاولة لتسويق مواقف بينيت وتصريحاته في أمريكا والأردن، على أنه محاولة لمنع انهيار حكومته، لكنه في الحقيقة يمثل تهديدا مباشرا للوصاية الأردنية على المقدسات.

وقال لـ"عربي21" إن سكوت الأردن على هذه التصريحات مسألة خطيرة جدا؛ لأن تهويد المسجد الأقصى وتقسيمه زمانيا ومكانيا، وإسقاط الوصاية الأردنية؛ هو سياسة عابرة للحكومات الإسرائيلية، "وكل ما يجري هو عبارة عن تكريس لها".

وأكد عياد أن "التعويل على كل من وزيري الخارجية يائير لابيد، والدفاع بيني غانتس، في كبح جماح بينيت والحفاظ على تفاهمات مع الأردن مقامرة خطيرة؛ تحتاج من الأردن مواقف أكثر وضوحاً، بما يتضمن المطالبة بالحصول على ضمانات إسرائيلية ودولية بعدم تقسيم المسجد الأقصى زمانيا ومكانيا".

وتابع: "ثمة مطالبات إسرائيلية للإدارة الأمريكية، بعدم ممارسة الضغوط عليها، والسماح لحكومة بينيت بتمرير مشاريعها الاستيطانية، حتى لا تسقط تحت ضغط اليمين الإسرائيلي، وهذه الحجة تستخدم أيضا في محاولة إقناع الأردن بعدم ممارسة أي سياسة تصعيدية، دبلوماسيا واقتصاديا، مع هذه الحكومة".
 
وحول موافقة حكومة الاحتلال على طلب أردني بزيادة عدد الحراس في المسجد الأقصى المبارك؛ أوضح عياد أن ذلك يمثل محاولة لاسترضاء الأردن كي يبقى على مساره الحالي، بحيث لا يتجه للتصعيد مع حكومة الائتلاف الإسرائيلي الحاكم.

وكانت قناة "كان" العبرية، قد أعلنت مساء الاثنين، أن وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي عمير بارليف والشرطة الإسرائيلية، أبدوا موافقتهم على طلب أردني بزيادة عدد حراس المسجد الأقصى التابعين للأوقاف الإسلامية الأردنية، بـ50 عنصراً.

وأضافت القناة أن الطلب الأردني كان قبل التوتر الذي حصل خلال شهر رمضان، ولكن تكررت المطالبة به الأسبوع الماضي بعد انتهاء الشهر الفضيل، لافتة إلى أن بارليف اشترط إخراج عدد من الحراس الحاليين بزعم انتمائهم لحركة "حماس" الفلسطينية.

التدخل والضغط الأمريكي

 
إلى ذلك ناقش الرئيس الأمريكي، جو بايدن، مع العاهل الأردني، عبدالله الثاني، الجمعة، آليات ملحة لوقف العنف وتهدئة الخطابات والحد من التوترات في "إسرائيل" والضفة الغربية المحتلة، حيث قال البيت الأبيض في بيان؛ إن بايدن جدد دعمه لـ"حل الدولتين" في فلسطين، والحفاظ على الوضع التاريخي الراهن في الحرم القدسي الشريف.

وأقر الرئيس الأمريكي أيضا بـ"الدور الأساسي للمملكة الأردنية الهاشمية في الإشراف على الأماكن المقدسة الإسلامية في القدس"، مؤكدا "دعم" الولايات المتحدة "الراسخ" للأردن الذي يشكل "حليفا حيويا وقوة للاستقرار في الشرق الأوسط".


اقرأ أيضا: 8 مطالب إسرائيلية ردا على وثيقة الأردن حول الأوضاع بالأقصى


بدوره، أشار العاهل الأردني إلى "الدور المحوري للولايات المتحدة بهذا الخصوص"، محذرا من "تكرار دوامة العنف في الأراضي الفلسطينية، جراء الإجراءات الإسرائيلية أحادية الجانب"، ونقل بيان البيت الأبيض عن الملك عبد الله دعوته "إلى تكثيف الجهود الدولية لإعادة إطلاق المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وبما يفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من حزيران/يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية".

 

استعانة الأردن بواشنطن

 
وفي شأن متصل يرصد الإسرائيليون ما يعتبرونه استعانة المملكة بالولايات المتحدة للضغط على "إسرائيل" للموافقة على مطالبها، وتعيين مزيد من الحراس داخل المسجد الأقصى، في الوقت الذي يدفع فيه التوتر لدخول الجانبين في نزاع سياسي صعب على الساحة الدولية، حول مكانة الأردن في الأقصى، ومعارضته لأي خطوة من شأنها تقويض سيادته الكاملة على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة.

وهنا تتوقع الأوساط الإسرائيلية الدخول في معركة سياسية صعبة مع الأردن أمام المجتمع الدولي حول مكانة الأردن في المسجد الأقصى، لا سيما في أعقاب ما شهده من أحداث في شهر رمضان، حيث يتواجد الملك عبد الله في الولايات المتحدة حيث التقى الجمعة الرئيس بايدن في البيت الأبيض، وقد سبق لهما الحديث هاتفيا أواخر نيسان/ أبريل، وبحثا الوضع في القدس، مما يرجح أن يثير بايدن هذه القضية خلال زيارته المقبلة لتل أبيب الشهر المقبل. 

يوني بن مناحيم الضابط الإسرائيلي السابق، ذكر في مقاله بموقع "نيوز ون"، ترجمته "عربي21" أن "زيارة الملك عبد الله للولايات المتحدة تثير المتابعة الإسرائيلية، حيث التقى قادة مسيحيين وحذرهم من استمرار التهديد الإسرائيلي للوجود المسيحي في القدس، لأن بعض ممتلكات الكنيسة المسيحية في الأراضي المحتلة صودرت من قبل منظمات يهودية متطرفة، وممتلكات أخرى تخضع لضرائب إسرائيلية عالية، رغم أن رئيس الوزراء نفتالي بينيت قد لا يغامر بالموافقة على أي تآكل لسيطرة الاحتلال على هذه المقدسات، خاصة في ضوء احتمال حل الكنيست، والذهاب لانتخابات جديدة في وقت لاحق من هذا العام".
 
وأضاف أن "الملك الأردني بجانب زيارته للولايات المتحدة، فقد تواصل مع عدد من الدول العربية حول نفس الموضوع، لكسب التأييد العربي لمطالبه، وبالتنسيق الكامل مع السلطة الفلسطينية، خاصة بعد الغضب الأردني من تصريحات بينيت الأخيرة حول عدم وجود تغيير في سيادة الاحتلال على الأماكن المقدسة، والزعم بأن الوضع الراهن سيستمر، الأمر الذي يثير مخاوف أردنية بشأن مطالبة إسرائيلية محتملة باستبدال وصايته على الأماكن المقدسة في القدس، وتسليمها للسعودية، لذلك فإن الأردن يراهن على صداقته الوثيقة مع واشنطن بأنها ستساعده في الحفاظ على موقعه هذا، من خلال ممارسة ضغوط شديدة على تل أبيب للحد من ممارساتها في المسجد الأقصى". 

تجدر الإشارة إلى أن إحدى القضايا الملتهبة بخصوص المسجد الأقصى هي مطلب الأردن لزيادة عدد حراس الوقف، حيث يوجد اليوم 250 حارسا وقفياً، حيث رفض الأردن الشروط الإسرائيلية باجتياز الحراس للفحص الأمني الإسرائيلي، وإقصاء الحراس المقربين من حركة حماس، فيما أكدت وزارة الأوقاف الأردنية أن مسؤولية تعيين حراس الوقف في المسجد الأقصى تقع على عاتق الأردن فقط، لأنه في 2016 تم تعيين 70 حارسا دون الحصول على أي موافقة من حكومة الاحتلال الإسرائيلي.


اقرأ أيضا: منع الاعتكاف في الأقصى.. إجراء اعتيادي أم قرار سياسي؟


مع العلم أن هذه الأزمة الأردنية الإسرائيلية تسببت بتوجيه انتقادات إسرائيلية داخلية على قرار وزير الحرب الأسبق موشيه ديان حين منح الأردن حق الوصاية على الأماكن المقدسة في القدس المحتلة في 1967، وفي 1994 جاء رئيس الوزراء ووزير الحرب اسحاق رابين بمنح هذه الرعاية الأردنية مصادقة إسرائيلية، من خلال اتفاق التسوية في وادي عربة، مما يعتبره الإسرائيليون استكمالا للخطأ السابق.
 
الأقصى ومصير حكومة بينيت

 
وكانت تصريحات رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي نفتالي بينيت، بشأن إدارة المسجد الأقصى المبارك، أثارت موجة من الجدل والتكهنات حيال مصير الحكومة الحالية التي يشارك فيها حزب "القائمة العربية الموحدة" برئاسة منصور عباس، الذي لديه علاقات وثيقة مع الأردن. 

وسبق أن صرح عباس الذي يواجه انتقادات حادة لمشاركته في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي الحالي، أن موقف حزبه من المسجد الأقصى وبقاءه في التحالف مرهون بـ"التفاهمات التي سيتم التوصل إليها بين الأردن وإسرائيل"، بحسب ما أورده موقع "i24" الإسرائيلي، الذي لفت إلى أن عباس ذكر أنه أحاط بينيت ونائب رئيس الوزراء علما بذلك". 

وفي تعقيبه على تصريحات منصور عباس، الذي أكد أيضا أن "المملكة الأردنية هي صاحبة الأمر والنهي بخصوص المسجد الأقصى"؛ لأنها صاحبة الوصاية على المقدسات في مدينة القدس المحتلة، قال بينيت: "أريد أن أوضح هنا، أنه لا يوجد، ولن يكون، أي اعتبار سياسي عندما يتعلق الأمر بالحرب على العمليات".  

وشدد على أن "جميع القرارات المتعلقة بالحرم القدسي والقدس سيتم اتخاذها من قبل حكومة إسرائيل، صاحبة السيادة على المدينة، دون الأخذ بأي اعتبارات خارجية، ونرفض بالتأكيد أي تدخل خارجي في قرارات الحكومة الإسرائيلية"، وفق زعمه.  

وعقب استقبال الملك عبد الله لنائب عباس في عمان، أصدر الديوان الملكي الأردني بيانا شدد فيه على أهمية الحفاظ على الوضع الراهن في الحرم القدسي؛ حيث تعتبر الأردن بمنزلة صاحب الوصاية.

وحث بينت بشكل مباشر العاملين كافة على المستوى السياسي، على "التعقل وعدم إسقاط الحكومة، وقال: "كل من لديه قطرة مسؤولية، عليه أن يبذل كل طاقته من أجل الحفاظ على هذه الحكومة الجيدة وتأمين بقائها، وأتوقع وأعلم أن كل الأحزاب وكل قادة الأحزاب سيتجندون لهذه المهمة، أو لربما تجندوا فعلا". 


اقرأ أيضا: بايدن يبحث مع ملك الأردن آليات لوقف العنف في الأراضي المحتلة


بدورها، تساءلت القناة "12" العبرية في تقرير لها عقب تصريحات عباس: "هل يقرر ملك الأردن مصير الحكومة؟"، منوهة إلى أن "عباس شدد على أن الحل النهائي هو إنهاء الاحتلال، وإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة، عاصمتها القدس، وفي قلبها المسجد الأقصى"، ونوه رئيس القائمة إلى أهمية دعم جهود الملك عبد الله فيما يتعلق بالمسجد الأقصى المبارك؛ لأن "هذا واجب على كل عربي وكل مسلم"، وتوقعت القناة أن تكون الدورة الصيفية في الكنيست "أكثر صعوبة مما توقعه الائتلاف الحاكم في إسرائيل".  

أبرز المطالب الأردنية 

 
وأرسل الأردن للولايات المتحدة في الأيام الأخيرة وثيقة تطالب دولة الاحتلال بجملة من الاستحقاقات داخل المسجد، على رأسها "العودة إلى الوضع التاريخي الراهن"، ويتضمن ذلك نقل كامل الصلاحيات التي صادرتها شرطة الاحتلال إلى دائرة الأوقاف التابعة للمملكة، فضلا عن وقف السلطة الحصرية لتحديد ترتيبات زيارات المصلين من قبل سلطات الاحتلال، وعدم إبقائها في حوزة الشرطة التي تسيطر على مراقبة حائط البراق.

في الوقت ذاته، تضمنت الوثيقة الأردنية الموجهة لدولة الاحتلال عبر الإدارة الأمريكية وقف الانتهاكات الإسرائيلية الأخرى المتعلقة باقتحامات المستوطنين، وإبعاد شرطة الاحتلال لحراس الوقف الأردني، وسماحها لليهود بالصلاة داخل المسجد الأقصى على طول الجدار الشرقي، مما يعتبر انتهاكا صارخا للوضع الراهن، وللالتزامات الإسرائيلية تجاه الأردن والولايات المتحدة، الأمر الذي يعني تعزز المخاوف الفلسطينية والأردنية أن الاحتلال يسعى لتقسيم المسجد الأقصى، كما فعل في الحرم الإبراهيمي بالخليل.
 
البروفيسور يتسحاق رايتر، رئيس الجمعية الإسرائيلية لدراسات الشرق الأوسط والإسلام، مؤلف كتاب "صخرة وجودنا ووجودهم: اليهود والإسلام والمسجد الأقصى"، ذكر في مقاله بصحيفة يديعوت أحرونوت، ترجمته "عربي21" أن "الوثيقة الأردنية المذكورة يجب أن تقابلها وثيقة إسرائيلية تتضمن ثمانية مطالب أساسية أولها تنظيم اقتحامات اليهود للمسجد الأقصى عبر أكثر من بوابة دخول، بحيث يتم ذلك من جميع البوابات التسع، وثانيها اضطلاع الأردن بوقف الاحتجاجات الفلسطينية داخل المسجد الأقصى، وثالثها إلزامية المطالبة ببناء سياج عالٍ فوق الحائط الغربي بزعم منع قيام الفلسطينيين بإلقاء الحجارة على المستوطنين المقتحمين، ورابعها الموافقة الأردنية على استخدام الاحتلال لسطح المبنى لتفريق التظاهرات، ودخول المزيد من قوات الشرطة".

وأضاف أن "المطلب الخامس يتمثل في قيام الأوقاف الأردنية بإزالة أي حطام وحجارة عقب كل احتجاجات يشهدها المسجد الأقصى مع قوات الاحتلال، وسادسها وقف إعادة فتح مدخل قبة الصخرة والمتحف الإسلامي والمسجد الأقصى بترتيب مسبق للسياح المحليين والأجانب (وليس لنشطاء جماعات الهيكل الذين يُخشى من تصرفاتهم)، وسابعها السماح للاحتلال بمراقبة الخطب التحريضية من داخل المسجد، والسماح بفصل الخطباء عند التحريض، وثامنها التوصل لاتفاق حول تركيب كاميرات متطورة على البوابات، مع غرفة قيادة مشتركة لشرطة الاحتلال والأوقاف".

ومن الواضح أن هذه المطالب تسعى من خلالها سلطات الاحتلال لتغيير مسار عمل دائرة الأوقاف الأردنية الفلسطينية داخل المسجد الأقصى، وإيجاد حالة من الاشتباك مع المصلين والمرابطين، وإعفاء الاحتلال من القيام بهذا الدور الأمني، بزعم إعادة مشاهد وأعداد اقتحامات المستوطنين لما كانت عليه قبل 2017، فضلا عن مطالبة إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية بإقامة منتدى حوار دائم حول المسجد الأقصى والأماكن المقدسة المشتركة الأخرى، بزعم أنها تابعة للأديان الإبراهيمية الثلاثة.