قضايا وآراء

الهند من الأصولية الهندوسية إلى الفاشية

1300x600
خلال المؤتمر الذي عقدته لجنة المرأة التابعة للهيئة العالمية لنصرة نبي الإسلام عليه أفضل الصلاة والسلام، والتي تديرها الدكتورة هالة سمير (بينما يترأس الهيئة الشيخ الدكتور محمد الصغير) بالأمس في إسطنبول، وسط حشد نسوي وعلمائي كبير نصرة للمسلمات في الهند وتركستان الشرقية، كانت الناشطة الهندية عائشة أحمد تتحدث عن جوانب الفاشية التي وصلت إليها الهند في تعاملها مع المسلمين، والتي امتدّت خلال السنوات الماضية إلى أقليات أخرى كالمسيحية والسيخية وغيرهما. وتحدثت عائشة بإسهاب عن ظاهرة البلدوزر التي لم تعد تجرف بيوت ودكاكين وأملاك المسلمين في الولايات الهندية، بقدر ما بدأت تجرف إرثاً هندياً كان يتمتع بقشرة علمانية رقيقة من التعايش، فضحته ومزّقته فاشية وعنصرية حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي المتطرف بزعامة مودي.

الواقع أنه منذ صعود حزب جاناتا بارتي الهندوسي المتطرف إلى السلطة خلال العقدين الماضيين والهند تتجه إلى الفاشية، ولم يعد هناك الخيط الرفيع الفاصل بين الهند العلمانية، والهند الأصولية المتطرفة بزعامة مودي موجوداً أصلاً، لا سيما بعد سلسلة الإجراءات التي اتخذها، إن كان بقدرتها على سحب جنسية المسلمين الهنود، أو بحرمان اللاجئين المسلمين من التقدم للجنسية الهندية، التي لطالما وصفت نفسها بأنها أكبر دولة ديمقراطية في العالم، في الوقت الذي أكدت الأحداث الأخيرة أن الديمقراطية لا تعني إجراء انتخابات، و200 مليون مسلم محرومون من أبسط حقوقهم في العيش، واختيار الدين.
التراجع الطفيف الذي أظهرته حكومة جاناتا بارتي الهندوسية المتطرفة بتعليق عمل أحد المسؤولين المدانين، وبطرد أحدهما، كان لمجرد امتصاص النقمة الخارجية في الخليج تحديداً، الذي بدأت الصيحات تتعالى فيه مطالبة بطرد العمالة الهندية منه

لم تكتف الحكومة بإجراءاتها السابقة، وإنما أرفقت سياستها هذه بمنع الحجاب في الجامعات والدوائر الحكومية، وهو ما تسبب في نزع بعض الطالبات لحجابهن ليتمكنّ من دخول قاعات الامتحانات، ووصلت الوقاحة ببعض الهندوس إلى التعرض لأئمة المساجد فكان أن قُتل أحدهم في محرابه، بالإضافة إلى إرغام المسلمين والمسلمات وحتى الأطفال على التلفظ بعبارات تنال من الرسول عليه الصلاة والسلام، بعد التطاول الذي قام به مسؤولان من الحزب، ولقيا إدانة عربية ودولية وإسلامية.

قادت الحراك الشعبي العربي والإسلامي على أرض الواقع الهيئة العالمية لنصرة نبي الإسلام نصرة للمسلمين في الهند، فكان أن دعت إلى مؤتمرات ووقفات احتجاجية أمام القنصلية الهندية في إسطنبول، ودعت كذلك إلى مقاطعة المنتجات الهندية، وحشدت إعلامياً على مواقع التواصل الاجتماعي، لتحثّ العلماء والنخب والناشطين على التغريد والنشر على حساباتهم، للدعوة إلى إدانة السياسة الهندية، ومطالبتها بالاعتذار عن الإساءة والتطاول.

التراجع الطفيف الذي أظهرته حكومة جاناتا بارتي الهندوسية المتطرفة بتعليق عمل أحد المسؤولين المدانين، وبطرد أحدهما، كان لمجرد امتصاص النقمة الخارجية في الخليج تحديداً، الذي بدأت الصيحات تتعالى فيه مطالبة بطرد العمالة الهندية منه. ولعل من محاسن الصدف المقدّرة أن يحدث ذلك في الوقت الذي يطالب الغرب وأمريكا تحديداً؛ الهند باتخاذ موقف ضد الحرب الروسية على أوكرانيا، وتردد الهند تجاه ذلك، وهو ما دفع الناطق باسم الخارجية الأمريكية إلى إدانة التصريحات المسيئة للنبي عليه السلام، وهي التي صمتت في السابق لإساءات فرنسا وبلجيكا وغيرهما.

هذا الانكفاء المحدود لا علاقة له بالاستحقاق الداخلي الذي كان ينبغي أن يقوم به الحزب، من تخفيف الاحتقان، والتخلي عن سياسة الفاشية المتطرفة التي يقوم بها، ويمارسها محازبوه وحكومته بحق المسلمين. وعلى الرغم من الجهود التي يبذلها الديبلوماسيون الهنود في الخليج بالتخفيف من هذه الحوادث على أنها منعزلة ولا تمت بصلة لسياسة الحكومة، غير أن البلدوزرات التي تهدم بيوت وحوانيت المسلمين المنتقدين للسياسة الهندية المسيئة للنبي ذكّرت العالم العربي بسياسة الكيان الصهيوني في هدم بيوت الفلسطينيين.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي التزم الصمت إزاء إساءة مسؤوليه للنبي عليه السلام، والتزم معها الصمت ثانية حيال ممارسات حكومته ضد المسلمين من قتل ونزع حجاب وهدم للمنازل، مما قرأ أتباعه صمته على أنه تأييد ودعم لهم.

الكاتبة الهندية المعروفة أرونهاتي روي ترى أن هذين المسؤولين يتبعان سياسة للكراهية بشكل منظم وممنهج ومهندس. وقالت لمحطة سي إن إن: "لم تعد الهند أسوأ مكان بهذا المجال فحسب، وإنما نحن نحرق بيوتنا، والهند تخوض تجربة الفشل بشكل خطير، والكثير من أصدقائي الصحافيين والمحامين والناشطين وأساتذة الجامعات يقبعون في السجون لأنهم وقفوا بجانب الأقليات وحقوقها".

بعض الكتاب الهنود يرون أن ثمة خيطاً رابطاً وناظماً بين الهندوسية المتطرفة، أو الفاشية الهندوسية الصاعدة، وبين الهجوم على مبنى الكابيتول هول (مبنى الكونغرس الأمريكي)، حيث يعمل رئيس الوزراء مودي على تأجيج الكراهية، ويرسل رسائله عن الحاكم الحقيقي للهند. فنظير العقلية التي هاجمت الكابيتول هول هي التي تحكم الهند اليوم، وتسعى إلى شوفينيتها وفاشيتها.
الهند لم تعد تهتم بكل هذا في ظل وجود حزب هندوسي متطرف على رأس السلطة، وغياب الأحزاب العلمانية التي شكلت هوية الهند ما بعد الاستقلال، وعلى رأسها حزب المؤتمر الهندي بزعامة آل غاندي، الذي تراجعت وانحسرت شعبيته ووزنه السياسي خلال العقود الماضية

التجارة البينية بين الخليج العربي والهند تصل إلى 189 مليار دولار سنوياً، ويستورد الخليج كثيراً من احتياجاته من الحبوب والأرز واللحوم منها، بينما يبلغ عدد العمالة الهندية في الخليج تسعة ملايين شخص، وتقوم بتحويل 85 مليار دولار سنوياً، وهو ما يعادل 65 في المئة من التحويلات الأجنبية الهندية. ويستذكر الجميع الموقف السعودي في إرسال أطنان من أجهزة الأكسجين لها خلال جائحة كورونا التي ألمّت بها.. كل هذا يحتم على الهند أن تكون حذرة في التعاطي مع المسلمين، لا سيما بعد استدعاء سفرائها في عدد من الدول العربية احتجاجاً على التصريحات المسيئة للنبي عليه السلام، ولكن الظاهر أن الهند لم تعد تهتم بكل هذا في ظل وجود حزب هندوسي متطرف على رأس السلطة، وغياب الأحزاب العلمانية التي شكلت هوية الهند ما بعد الاستقلال، وعلى رأسها حزب المؤتمر الهندي بزعامة آل غاندي، الذي تراجعت وانحسرت شعبيته ووزنه السياسي خلال العقود الماضية.

يعزو المراقبون والمحللون تفشي ظاهرة الفاشية في الهند إلى ثلاثة أسباب رئيسة:

1- منذ مقتل أنديرا غاندي في تشرين الأول/ أكتوبر 1984 ثم مقتل نجلها راجيف غاندي في أيار/ مايو 1991؛ والساحة الانتخابية الهندية غدت ممهدة لحزب جاناتا بارتي الهندوسي المتطرف. فقد استطاع منذ عام 2014 أن يشكل القوة الأساسية دون منافس في الهند، بعد أن فشل حزب المؤتمر في فرض نفسه على الحياة السياسية الهندية كما كان في السابق، وأخفقت معه الأحزاب الإقليمية الهندية في تشكيل تحالف مع الحزب الشيوعي الهندي لمواجهة تنامي حزب شوفيني هندوسي متطرف كحزب جاناتا بارتي. وخلال انتخابات أيار/ مايو وحزيران/ يونيو 2019 تمكن حزب جاناتا بارتي بالتحالف مع أحزاب متطرفة أخرى من الحصول على 300 مقعد في البرلمان الهندي، مما عزز توجه الهند نحو الفاشية. فالحركة الهندوسية المتطرفة المعروفة باختصار "RSS" تعقد اليوم مقارنة بين هتلر ومودي، وبين اليهود الذين استهدفهم هتلر وبين المسلمين الذين ينبغي أن يستهدفهم حزب جاناتا بارتي، فالمسلمون في الهند بنظر الحركة كاليهود في ألمانيا قبل الحرب العالمية الثانية.
واجب الوقت على القوى الحية في المجتمع الهندي ودول الجوار والعالم التحرك قبل فوات الأوان، والعالم كله لا تزال ذاكرته حيّة إزاء الفاشيات التي حكمت العالم في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية

2- يعتقد الكثير من المتابعين للشأن الهندي بأن استراتيجية حزب جاناتا بارتي المتبعة، ومعه حلفاؤه من الأحزاب المتطرفة، إنما تعتمد وتستند على تنشئة الجيل الهندي على العداء مع المسلمين والأقليات الأخرى. وقد دعمهم في ذلك توجهات البيروقراطية الهندية؛ إن كان على مستوى الشرطة أو القضاء وحتى على مستوى تغلغهم في مؤسسات التعليم، مما عزز ذلك كله ثقافة الفاشية الهندية.

3- الصمت الذي تلتزمه الأغلبية الهندية العلمانية، وكذلك الأقليات الأخرى من السيخ والتاميل والمسيحيين، مقلق جداً، ليس على مصير المسلمين ومصير الهند، وإنما على مصيرها هي نفسها التي ستكون الهدف المقبل لهذه الفاشية المتطرفة، خصوصاً مع مساعي الحزب الهندوسي المتطرف وطموحه بتحقيق النقاء الديني الهندوسي، وبالتالي فصمت هذه الأقليات، ومعها النخب العلمانية الهندية، بالإضافة إلى صمت المجتمع الدولي، كل ذلك يتحمل مسؤولية تفشي وتعزيز هذه الظاهرة التي قد لا تقتصر على الهند وإنما ستشمل دولاً أخرى، لا سيما وأن الأفكار لا حدود أمامها.

واجب الوقت على القوى الحية في المجتمع الهندي ودول الجوار والعالم التحرك قبل فوات الأوان، والعالم كله لا تزال ذاكرته حيّة إزاء الفاشيات التي حكمت العالم في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، فمودي وأمثاله يشعرون بأنه محصّنون من النقد الدولي، ولذا فهم ماضون في سياسته بجعل الهند فاشية هندوسية متطرفة.