سياسة تركية

تركيا تفتح الباب أمام السويد لدخول "الناتو".. محطات تاريخية بين البلدين

وافقت تركيا أخيرا على تقديم مقترح انضمام السويد للبرلمان للتصويت عليه- جيتي
لم تكن العلاقات التركية-السويدية ندية على الدوام كما هي عليه هذه الأيام، لا سيما في ملف الانضمام لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، الأمر الذي عرقلته تركيا عدة مرات، قبل أن يوافق الرئيس رجب طيب أردوغان، الاثنين، على تمريره للبرلمان، قبل يوم من قمة الحلف في ليتوانيا.

وليس ملف الانضمام للناتو هو ملف الخلاف الوحيد بين أنقرة وستوكهولم، وربما لن يكون الأخير وقد سبقته عدة مواقف أثارت توترا بين البلدين.

حلف قديم

بالعودة إلى الوراء بالتاريخ، كانت السويد والإمبراطورية العثمانية من أقدم الحلفاء في المنطقة، حيث تحالفت الدولتان القويتان آنذاك ضد روسيا القيصرية.

وبعد أن هزمت الإمبراطورية السويدية على يد الروس بعد سنوات من الصراع، فقد لجأ ملك السويد الخاسر "كارل"، أو تشارلز الثاني عشر إلى الدولة العثمانية وأقام فيها.

وبقيت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين قائمة منذ ثلاثينيات القرن الثامن عشر، وافتتحت ستوكهولم سفارة في أنقرة عام 1934.

وعرفت تركيا والسويد علاقات طيبة في فترة غوستاف الخامس ملك السويد، وزار ولي عهده آنذاك تركيا في العام الذي افتتحت فيه السفارة، واستقبله الرئيس التركي آنذاك مصطفى كمال أتاتورك بحفاوة.

وفي الثمانينيات صنفت السويد حزب العمال الكردستاني تنظيما إرهابيا، وعانت من مشاكل مع الحزب وأعضائه على الأراضي السويدية، لدرجة أن أصابع الاتهام في اغتيال رئيس الوزراء أولوف بالم توجهت نحو عناصر الحزب.

وفي ما يخص الطموح التركي لنيل عضوية الاتحاد الأوروبي، فقد دعمت السويد في 2009 عندما تولت رئاسة مجلس الاتحاد، انضمام تركيا.

ما الذي تغير؟


"إبادة الأرمن"

في عام 2010 صوت البرلمان السويدي "الريكسداغ" لصالح قرار يعترف بالإبادة الجماعية للأرمن، وهو الأمر الذي تعارضه تركيا بشدة، ورد رجب طيب أردوغان الذي كان رئيسا للوزراء آنذاك بأن القرار له حسابات سياسية لا تتماشى مع الصداقة بين البلدين.

وقال السفير التركي في ستوكهولم إنه سيكون للقرار آثار طويلة الأمد على العلاقات بين البلدين.

وبعد ذلك بعام أثار الإعلام السويدي مسألة المساجد في البلاد، ونشرت الصحيفة السويدية "Dagens Nyheter" تقريرا في 2017 عن المساجد التي تشرف عليها "الشؤون الدينية التركية" قائلة إن أئمة المساجد يقدمون دعاية علنية لأردوغان في المساجد، ويكتبون التقارير عن منتقدي حكومة أنقرة.

وقالت الصحيفة إنه بعد الانقلاب الفاشل بتركيا، فإن الكثير من المصلين الأتراك لم يعودوا يذهبون إلى المسجد خوفا من أن يحسبوا على جماعة غولن التي صنفتها أنقرة إرهابية، ولتيقنهم بأن الأئمة في المساجد يعملون لصالح الحكومة التركية، بحسب تعبيرهم.

معضلة "العمال الكردستاني"

وبدأت العلاقات التركية السويدية بالتوتر أكثر بعد العمليات العسكرية التركية على الأراضي السورية (غصن الزيتون 2018، ونبع السلام 2019)، حيث لجأ خصوم أنقرة إلى السويد تحت مسميات حزبية مثل "حزب الاتحاد الديمقراطي السوري" الذي لقي دعما غربيا وفتح عدة ممثليات في أوروبا.

وطالبت تركيا ستوكهولم بالتوقف عن دعم "حزب العمال الكردستاني" و"حزب الاتحاد الديمقراطي"، فيما توقفت السويد عن تزويد أنقرة بالسلاح عام 2019 بسبب عملية "نبع السلام".

وفي 2020 نشب تلاسن تركي سويدي خلال مؤتمر صحفي بين وزير الخارجية التركي آنذاك مولود تشاووش أوغلو، ونظيرته السويدية آن ليندي، بعد أن دعت الأخيرة أنقرة إلى سحب قواتها من سوريا..

ورد تشاووش أوغلو على الوزيرة بقوله: "تطلبون من تركيا الانسحاب لدعم حزب العمال الكردستاني الذي يريد تقسيم سوريا!".

واعتبر وزير الخارجية التركي السابق الدعوة السويدية جزءا من موقف أوروبا "المنافق" تجاه دعم الإرهاب، بحسب تعبيره.

وأنهت الوزيرة الشجار بقولها: "أنا ضيفتك لن أجري مجادلة هنا".

"عثمان كفالا"

وفي العام الذي يليه وتحديدا في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، اختلفت تركيا مع عدد من الدول الغربية، على رأسها السويد، بعد أن طالبت 10 دول، تركيا بالإفراج عن رجل الأعمال التركي المسجون عثمان كافالا المدان بتهمة "محاولة الإطاحة بالحكومة وعرقلة عملها"، و"الاشتراك في محاولة الانقلاب" عام 2016.

وطالب الرئيس التركي وقتها وزارة الخارجية بإعلان سفير السويد إلى جانب آخرين، أشخاصا غير مرغوب فيهم على التراب التركي، قبل أن تتراجع أنقرة عن ذلك.

الحرب الأوكرانية

وبعد العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، تقدمت فنلندا والسويد في أيار/ مايو 2022 بطلب للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو"، لكن تركيا عارضت الطلب بدعوى إيواء ودعم عناصر من حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه أنقرة إرهابيا.
 
ووضعت أنقرة شروطا عدة مقابل الموافقة على طلب البلدين، وتم الاتفاق على "مذكرة ثلاثية" من أجل العمل على شروط أنقرة.

وأعادت السويد إلى تركيا ثلاثة مطلوبين، في إطار المذكرة الثلاثية بشأن انضمامها مع فنلندا إلى "الناتو".

وقالت الخارجية السويدية إنها ستتخذ خطوات قانونية بمجرد الكشف عن أدلة ووثائق تتعلق بأعضاء تنظيمي "غولن" و"العمال الكردستاني".

وأقر البرلمان السويدي في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، تعديلا دستوريا يشمل قوانين مكافحة الإرهاب، استجابة لنقطة طالبت بها أنقرة.

ووافق البرلمان على التعديل الدستوري بأغلبية 278 من أصل 349 صوتا، فيما اقتصر التصويت بالرفض على "حزب اليسار" المعارض.

ويتيح التعديل الدستوري الجديد تقييد مبدأ حرية تشكيل الجمعيات "عندما تتبنى الإرهاب أو تدعمه".

أردوغان يقبل أخيرا

وصادق البرلمان التركي في آذار/ مارس الماضي على مشروع قانون بشأن بروتوكول انضمام فنلندا لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، بعد نحو أسبوعين من خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي قال فيه إن بلاده ستقوم بما يقع على عاتقها في ما يخص عضوية هلسنكي لدى "الناتو".

لكن طلب السويد  بقي على طاولة الانتظار، وبقيت تركيا تكرر طلباتها للسويد التي أكدت أيضا أنها فعلت كل ما يلزم من أجل تطمين أنقرة بشأن التنظيمات الإرهابية.

والشهر الماضي، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ، خلال اتصال هاتفي اليوم الأحد، إنه يتعين على السويد وقف الاحتجاجات التي ينظمها أنصار "حزب العمال الكردستاني" في ستوكهولم حتى توافق أنقرة على طلبها الانضمام للحلف.

وأضافت الرئاسة التركية في بيان أن أردوغان أبلغ ستولتنبرغ بأن تركيا لديها موقف بناء، لكن تغيير السويد لقوانين الإرهاب لتلبية مطالب أنقرة "لا معنى له" بينما ينظم أنصار "حزب العمال الكردستاني" احتجاجات على أراضيها.

وفي التاسع من الشهر الجاري، صرح أردوغان بأن السويد اتخذت بعض الخطوات في الاتجاه الصحيح من خلال إجراء تغييرات في تشريعات مكافحة الإرهاب.

وتابع قائلا: "استمرار المظاهرات التي تشيد بالإرهاب من قبل أنصار تنظيم حزب العمال الكردستاني في السويد ذهبت بالخطوات المنجزة أدراج الرياح".

وقبيل انعقاد قمة "الناتو" في العاصمة الليتوانية فيلنيوس، قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ الاثنين الماضي، إن أردوغان أخيرا وافق على إحالة طلب السويد الانضمام إلى التحالف العسكري للبرلمان التركي.

وأضاف في مؤتمر صحفي: "يسرني أن أعلن أن الرئيس أردوغان وافق على إحالة بروتوكول انضمام السويد إلى مجلس الأمة التركي الكبير في أقرب وقت ممكن والعمل عن كثب مع المجلس لضمان التصديق".

متى ستصبح السويد عضوا رسميا؟

يتعين أن يصادق البرلمان التركي على بروتوكول انضمام السويد، لكن إردوغان تعهّد الدفع باتّجاه المصادقة عليه. لدى الإعلان عن اتفاق بين السويد وتركيا وحلف شمال الاطلسي لم يتم تحديد موعد معين للانضمام.

وقال الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ إنه سيكون "في أقرب وقت ممكن".

وينهي البرلمان التركي دورته الحالية رسمياً في 18 تموز/يوليو، على أن يستأنف جلساته في أيلول/سبتمبر، ويكتنف الغموض موعد التصويت.

المجر، الدولة الأخرى التي لم تصادق بعد على انضمام السويد، تعهدت بعدم التسويف.

وقال وزير الخارجية المجري بيتر سيارتو إن المصادقة "لم تعد الآن سوى مسألة تقنية".

لكن الحكومة السويدية لا تزال حذرة حيال هذا الملف الذي لطالما شهد انعطافات.

ووصف الوزراء السويدي أولف كريسترسون الاتفاق بأنه "يوم جيّد للسويد"  لكنه امتنع عن الاحتفال بالانتصار.