كتاب عربي 21

ضمن هدوء الحدود مع سوريا لأكثر من 40 عاما

1300x600
لم تكن ولادة تنظيم الدولة الإسلامية وتدشين ولاياتها في ليبيا خارج سياق التوقعات، فقد وفرت مغامرة الثورة المضادة الانقلابية للواء خليفة حفتر كافة الأسباب والشروط والظروف الموضوعية لصعود تنظيم الدولة وتمدده في ليبيا، فحالة الفوضى التي ترتبت على عملية "كرامة ليبيا" التي بدأت في مدينة بنغازي في 16 أيار/ مايو 2014، بدعوى تطهير المدينة من الجماعات الإرهابية والمتطرفة، ثم انتقلت في 18 أيار/ مايو 2014، غربا إلى العاصمة طرابلس، كانت تؤذن بانبعاث إيديولوجية الدولة الإسلامية وزيادة جاذبيتها وقدرتها على الاستقطاب، فعملية "كرامة ليبيا" التي اعتمدها حفتر للانقلاب على ثورة 17 فبراير 2011، تحت ذريعة "الحرب على الإرهاب"، كانت حاسمة في صعود ولايات الدولة الإسلامية في ليبيا.

ولايات "الدولة الإسلامية" في ليبيا باتت تتمتع بحيوية كبيرة منذ قبول بيعتها رسميا من قبل أبو بكر البغدادي في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، حيث دشنت ثلاثة أقاليم ليبية العمل ضمن ولايات الدولة الإسلامية في كل من: برقة، شرقي البلاد، وطرابلس العاصمة في الغرب، وفازان في الجنوب، وكانت النواة الأولى لتنظيم الدولة قد تشكلت في درنة وبنغازي، وباشرت نشاطها العسكري، ثم برزت  عبر مسيراتها العسكرية الاستعراضية في سرت،  وقامت بعدد من الهجمات في ولاية فزان، قامت بخطف وإعدام 21 مسيحيًا مصريًا على طريقة تنظيم الدولة الإسلامية بقطع الرؤوس في 12 شباط/ فبراير 2015، ونفذت هجوما انتحاريا على فندق كورينيثيا في طرابلس في 27 كانون ثاني/ يناير 3015 أسفر عن مقتل 14 شخصا.

تشير خريطة نشأة وتكوين تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا إلى مدينة درنة، وهي مدينة متوسطية بين طبرق وبنغازي، حيث عرفت المدينة منذ حقبة أبو مصعب الزرقاوي في العراق 2003 بأنها خزان الجهاديين ومعقل الاستشهاديين، ولذلك فقد شهدت تأسيس أول معسكرات تنظيم الدولة الإسلامية وأول محكمة إسلامية، وبناء قوة تنفيذية شرطية، وقد توالت البيعات من جهاديي درنة للدولة الإسلامية منذ بداية تشرين ثاني/ أكتوبر 2014، وقد عمل فرع الدولة على تثبيت سيطرته المكانية على درنة من خلال تأسيس روابط محلية مع السكان، وفق نهج الدولة في العراق وسوريا، كما عمل على استقطاب مقاتلي جماعة "أنصار الشريعة"، فضلا عن المقاتلين العرب والأجانب من الدول المجاورة وخصوصا  مصر وتونس، الأمر الذي أفضى إلى  تأسيس "مجلس شورى شباب الإسلام" في 4 نيسان/ أبريل 2014، الذي بات قوة رئيسية في درنة، وسرعان ما تحول إلى بيعة تنظيم الدولة الإسلامية، التي بادرت بإرسال وفد يضم خبراء يعمل على بناء استراتيجية للصمود والتمدد.

كان أبو نبيل الأنباري على رأس وفد من خبراء تنظيم الدولة الإسلامية إلى درنة، وهو شخصية جهادية تتمتع بخبرات كبيرة، حيث قاد هجوم تنظيم الدولة على مدينتي تكريت وبيجي، بعد سقوط الموصل وتمكن من طرد قوات الحكومة العراقية والقوات الموالية لها، ليعين بعدها من قبل البغدادي واليا على محافظة صلاح الدين، وكان الأنباري (وسام عبد الزبيدي) رفيقا للبغدادي في محطات عديدة ومنها  محطة سجن بوكا، ووشارك في مرحلة الزرقاوي وبداية تأسيس جماعة  "التوحيد والجهاد" 2003، حيث عمل قبل الاحتلال الأمريكي للعراق ضابطا في جهاز الشرطة، وقد تولى إمرة قاطع حزام بغداد قبل اعتقاله.

في سياق حالة الانقسام والفوضى الليبية تموضعت ولايات الدولة الإسلامية داخل الصدع الإيديولوجي الجغرافي العسكري، ففي ظل انشغال القوى المتصارعة على ليبيا بالاقتتال من خلال التيار الإسلامي الإخواني وحلفائه في إطار حكومة المؤتمر الوطني العام في العاصمة الليبية طرابلس والذي يضم 11 كياناً مسلحاً، هي: (قوات فجر ليبيا، ودرع الغربية، وتنظيم أنصار الشريعة، ودرع الوسطى، وثوار مصراتة، وكتائب الدروع، ومجلس شوري ثوار بنغازي، وكتيبة رأف الله السحاتي، وتنظيم مجلس شوري مجاهدي درنة وضواحيها، وتنظيم شباب شورى الإسلام، وأخيراً كتيبة الفاروق)، وعلى الجبهة الأخرى، التيار العلماني في إطار حكومة طبرق، والتي تضم 12 كياناً عسكرياً، وهي: (قوات رئاسة أركان الجيش، وقوات حرس المنشآت النفطية، وكتائب الزنتان، ودرع الغربية، وكتائب شفانة، وصحوات المناطق، وكتيبة حسن الجويفي، وكتيبة 319 التابعة للجيش، وكتيبة 204 دبابات، وكتيبة 21 صاعقة، وقوات الصاعقة، وكتيبة محمد المقريف).

تقوم استرتيجية الدولة الإسلامية في ليبيا على نهج تعزيز شرعية الدولة الإسلامية وتمثيل الجهادية العالمية، وكما حدث في العراق ثم سوريا فإن الصراع مع القاعدة يمثل أولوية تكتيكية، الأمر الذي أدى إلى الدخول في صراع مسلح في درنة مع السلفية الجهادية التاريخية ممثلة ببعض أتباع أنصار الشريعة،  و"كتيبة شهداء بوسليم"، وهي جماعات تدين بالولاء لتنظيم القاعدة، وقد أعلن عن تأسيس "مجلس شورى مجاهدي درنة وضواحيها" في 12 كانون الأول/ ديسمبر 2014، كإطار جامع للجهادية ممن لا تدين بالولاء لتنظيم الدولة، وقد تأسس بداية لمواجهة قوات اللواء حفتر، إلا أنه دخل في صراع مع تنظيم الدولة الإسلامية، الأمر الذي أسفر عن مقتل أحد أبرز قيادات المجلس سالم دربي قائد كتيبة شهداء أبوسليم ، عقب اشتباكات عنيفة بين المجلس وتنظيم الدولة.

يدرك تنظيم الدولة الإسلامية صعوبة إنشاء روابط وثيقة داخل البنية الاجتماعية الدينية المتجانسة في ليبيا، نظرا لغياب الصدع الهوياتي الطائفي السني الشيعي الذي استند إليه التنظيم في تأسيس حاضنته في العراق، ولذلك فقد اعتمد التنظيم على هشاشة الوضع السياسي والانقسام الإيديولوجي، وحالة ضعف الدولة، من خلال تبني استراتيجية تعمل على تعزيز حالة الفوضى والدفع باتجاه انهيار الدولة، وعدم التوصل إلى اتفاق بين الفرقاء الأساسيين، الأمر الذي يخلق حالة من التذمر واليأس والقلق لدى قطاعات شعبية واسعة تنشد الاستقرار والأمان، ويدفعها لتبني خيارات أكثر راديكالية للتخلص من القوى المتصارعة، والتلاحم مع قوى تنظيم الدولة الإسلامية كمخلص وملاذ قادر على تطبيق حكامته الصارمة في المناطق الجامحة.

عمل تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا إلى بناء استراتيجية تقوم على إفشال أطراف الصراع في حسم النزاع عسكريا، وإجبار كافة الأطراف على تجنب استهداف التنظيم حتى لا تتشتت قواه ويستفيد الطرف الآخر، ولذلك عمل التنظيم في ظل ظروف مريحة نسبيا، الأمر الذي استثمره تنظيم الدولة في التمدد ونقل مركز ثقله من درنة إلى سرت، وهو قرار استراتيجي يستند إلى قراءة جيوسياسية واقعية نظرا لموقع سرت وثرواتها النفطية وطبيعتها الاستراتيجية بالمقارنة مع درنة، كما أن طموحات التنظيم تتجاوز سرت لخلق فضاء جيوسياسي يتيح التمدد في جنوب ليبيا، ومنها إلى منطقة الساحل والصحراء الكبرى.

بدأ تنظيم الدولة الإسلامية بالتوسّع في سرت كقاعدة مركزية للتمدد منذ منتصف عام 2014، وهي مدينة تضم مجموعات إسلامية وجهادية عديدة، وكانت جماعة "أنصار الشريعة" في سرت قد ظهرت في حزيران/ يونيو 2013، لكن المزاج الجهادي كان واضحا من خلال مجموعات إسلامية مسلّحة دأبت على تنظيم الاستعراضات العسكرية، وفرض تطبيق الشريعة، كما حافظت على روابط وصلات متينة مع جماعة مصراتة والكتائب الثورية، وبعتبر أحمد علي الطيار، وهو مصراتي القائد الأبرز لجماعة أنصار الشريعة في سرت، وقد تولى قيادة كتائب الفاروق في سرت خلال ثورة 17 فبراير 2011.

في هذا السياق يعمل تنظيم الدولة الإسلامية على حرمان الأطراف المتصارعة من المداخيل النفطية وإدخالها في ظروف مالية صعبة لا تمكنها من تأمين مداخيل للإنفاق على قواتها العسكرية وأجهزتها البيروقراطية، ولا القيام بتأمين الاحتياجات الأساسية للناس، التي ستبدأ بالاحتجاج والتمرد، ولذلك عمد التنظيم إلى شن هجمات منسقة  على البنى التحتية النفطية في حوض سرت، لحرمان الأطراف المتصارعة من الاستفادة من النفط في المدى المنظور، وإذا أمكن لاحقا الاستيلاء عليها وتشغيلها للإنفاق والتوسع.

أحد النقاط الأساسية التي يستند إليها تنظيم الدولة الإسلامية في عمليات التعبئة والتجنيد، هي بناء شبكات محلية متعاونة ومتعاطفة في سرت وغيرها، استثمار حالة التهميش والاقصاء السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فمدينة سرت هي مسقط رأس معمر القذافي وفيها لقي مصرعه في تشرين أول/ أكتوبر 2011، ولذلك فقد عمد التنظيم إلى نسج صلات مع  القبائل التي كانت موالية للنظام السابق وتتوافر على  تاريخ طويل من النزاع مع مصراتة، كالقذاذفة والفرجان وورفلة.

على صعيد الرسالة الإعلامية والسياسية لتنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا، يقدم التنظيم نفسه كممثل لدولة الخلافة الإسلامية وإيديولوجيتها السلفية السنية الصارمة، ويهاجم خصومه باعتبارهم كفارا ومرتدين وصحوات وعملاء للغرب، ففي شرق ليبيا، تستهدف رسائل الدولة الإسلامية اللواء حفتر ومجلس النواب اللذين يلقيان دعماً في أوساط القبائل التي كانت موالية للنظام السابق في حوض سرت، وفي مدينة سرت يركّز التنظيم على المؤتمر الوطني العام وقوات فجر ليبيا وقوات مصراتة، كما تهاجم قوات تنظيم الدولة قوات فجر ليبيا وقوات الكرامة، وتتموضع بين التحالفَين.

تجتذب سردية تنظيم الدولة الإسلامية فئات شبابية تؤمن بحكم "الخلافة" وتنظر إلى أطراف الصراع في طرابلس وطبرق كعملاء للغرب لا بحفلون بالإسلام وحكم الشريعة، ويعتمد تنظيم الدولة الإسلامية على مبدأ الصبر الاستراتيجي من خلال التموضع داخل الصدع الإيديولوجي والسياسي والعسكري لأطراف الصراع، وبناء شبكات جهادية متضامنة قادرة على استقطاب المجموعات المهمّشة، والضغط العملياتي العسكري المستمر على كافة الفرقاء وفق تكتيكات التوحش والفوضى للحيلولة دون بناء أجهزة بيروقراطية وعسكرية قادرة على تأمين الاستقرار، وتقويض قدرات الدولة للتسريع في تفككها وانهيارها، الأمر الذي يقود إلى زيادة شعبية الدولة الإسلامية التي تبرع في إدارة مناطق التوحش والفوضى.