قضايا وآراء

المقاومة العربية والعروبة بين الطابع الإسلامي والطابع العلماني

عبد الله الأشعل
1300x600
1300x600
ركز الفكر السياسي العربي على أن العروبة تتفق مع العلمانية وأنها تخاصم الدين، أخذا بالفكرة القومية التي أرساها الفلاسفة الفرنسيون في القرن التاسع عشر، فانحرفوا بفكرة القومية ثانية عندما أكدوا أن القومية كان يقصد بها إقامة الدولة وتوحيد مكوناتها في دولة واحدة مثل ألمانيا وإيطاليا. وقاس القوميون العرب الأوائل قياسا خاطئا على الأمة العربية التي يجب أن تتوحد، استنادا إلى أن تقسيمها كان مخططا استعماريا حتى لا تظهر كتلة واحدة وتحتل مكانا لائقا في الإطار الدولي.

وعندما نشأت المقاومة الفلسطينية بإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، وتوازى مع ذلك اعتراف القمة العربية في القاهرة في ذلك العام بأن فلسطين دولة وأنها عضو في الجامعة العربية، وأن صيغة القومية العربية والأمة العربية الواحدة تفرض على كل عربي أن يدافع عن فلسطين ضد إسرائيل باعتبارها جزءا من الأمة العربية، كان القوميون العرب في ذلك الوقت يعتبرون الوحدة العربية هي الحل السعيد للتشرذم العربي والاختراق الاستعماري والمخطط الصهيوني ضد فلسطين وبدرجة واحدة، وهي توحيد الدول العربية تحت قيادة واحدة كانت متأثرة بالفكر العسكري المصري الذي في ظهر في مصر عام 1952 بحركة الضباط، كما كانت متأثرة بالمفهوم الحزبي الذي كان أقرب إلى الحزب الشيوعى منه إلى الأحزاب والدول الديمقراطية.

وكبُر على القوميين العرب أن يأخذوا شيئا من الدول الاستعمارية الديمقراطية، وأظن أن عداءهم للديمقراطية كان نابعا من رفض تقليدهم للغرب. كما أن الديمقراطية تتناقض مع فكرة الزعيم الذي يقدسه القطيع العربي، وأن القُطرية تعتبر انشقاقا على الوحدة وعلى توابع نظرية الزعيم القومي العربي.
كبُر على القوميين العرب أن يأخذوا شيئا من الدول الاستعمارية الديمقراطية، وأظن أن عداءهم للديمقراطية كان نابعا من رفض تقليدهم للغرب. كما أن الديمقراطية تتناقض مع فكرة الزعيم الذي يقدسه القطيع العربي

فالعروبة عندهم لا تلتقي بالدين، ولا بد من أن تكون الفكرة علمانية بمفهوم الغرب الذي نقل إلى العالم العربي بشكل مشوه. والسبب في ذلك ظهور التيار الإسلامي في الحركات الوطنية العربية المعادية للاستعمار، والمطالب بالوحدة الإسلامية بدلا من الوحدة العربية.

وقد أوضحنا في مقال سابق أن العداء بين التيارين كان مؤامرة على السفهاء من العرب والمسلمين، وأنه شق الصفوف وأضعف الجبهة الوطنية، وكان ذلك لصالح إسرائيل والاستعمار الغربي. وفشل العرب والمسلمون في أن يتعلموا الدروس من أوروبا، بزعم أن أوروبا هي الاستعمار الذي نكّل بهم جميعا وأقام إسرائيل بين ظهرانيهم.

وإذا كانت العروبة تعادي الدين فإن ذلك لسبب آخر ساقه القوميون العرب؛ الذين كانوا يتباهون بالعلمانية وكانوا يسبّون المستعمر ويتسابقون على تقليده كالقرود، وذلك بزعم أن العلمانية تجلب التعاطف من كل التيارات التقدمية.

وعندما نشأت المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل في عام 1964 كانت ترفع شعار العلمانية، بزعم أن قضية فلسطين قضية إنسانية لا علاقة لها بالعروبة أو بالإسلام، وأن هذه المقاومة استقطبت جميع الملل والنحل خارج العالم الإسلامي، فلقيت تأييدا من الجيش الأحمر الياباني والجيش الجمهوري الإيرلندي والأحزاب الشيوعية والليبراليين في جميع أنحاء العالم .
المقاومة الفلسطينية فقد وقعت في الفخ عندما اعتقدت أن العلمانيين في إسرائيل حلفاء طبيعيون للشعب الفلسطيني، ولم تدرك المقاومة أن هؤلاء العلمانيين وكذلك المتدينين جزء من المشروع الصهيونى الذي يتخذ من إسرائيل رأس الحربة

أما المقاومة الفلسطينية فقد وقعت في الفخ عندما اعتقدت أن العلمانيين في إسرائيل حلفاء طبيعيون للشعب الفلسطيني، ولم تدرك المقاومة أن هؤلاء العلمانيين وكذلك المتدينين جزء من المشروع الصهيونى الذي يتخذ من إسرائيل رأس الحربة. وهكذا قادت فتح المقاومة الفلسطينية بتحالفات داخلية وخارجية عديدة، وتمكنت منظمة التحرير الفلسطينية بذلك من استقطاب الدول العربية المعادية للتيارات الإسلامية لظروف داخلية؛ لأن الصراع على السلطة داخل الدول العربية دخلت فيه التيارات الإسلامية فخسرت كل شيء بغبائها، وتمكنت المنظمة من أن تصبح المتحدث الرسمي الوحيد باسم الشعب الفلسطيني.

والطريف أن واشنطن وإسرائيل ساعدت فيما تحقق بعد ذلك، وهو كسب المنظمة ومعاداة المقاومة التي نشأت بعد ذلك خارج أجنحة المنظمة، وكان ذلك واضحا في مذكرات بيريز عقب توقيع اتفاق اوسلو عام 1993. ولكن شهدت الانتفاضة الأولى في الاراضى الفلسطينية عام 1987 ميلاد منظمة حماس الإسلامية السنية، وبذلك أضيفت حماس إلى جبهة المقاومة الأوسع التي تقودها إيران منذ ثورتها الإسلامية عام 1979. وإيران هي التي ساعدت على إنشاء حزب الله في لبنان بمناسبة الغزو الإسرائيلي لبيروت، وساعدت على التخلص من هذا الغزو. وهكذا أصبحت المقاومة إسلامية في شقيها السني الفلسطيني والشيعي اللبناني، وكلاهما تدعمه إيران.
المقاومة الإسلامية نشأت بعد أن تحولت مصر إلى وسيط بين العرب وإسرائيل بموجب كامب ديفيد، قبل أن تتحول مصر إلى مساند للمشروع الصهيوني في المنطقة العربية. وهذا هو السبب الظاهر لمعاداة أنور السادات لكل ناقد لكامب ديفيد؛ لأن التقارب مع إسرائيل كان الضمانة الأكبر لحكم السادات

والملاحظ أن المقاومة الإسلامية نشأت بعد أن تحولت مصر إلى وسيط بين العرب وإسرائيل بموجب كامب ديفيد، قبل أن تتحول مصر إلى مساند للمشروع الصهيوني في المنطقة العربية. وهذا هو السبب الظاهر لمعاداة أنور السادات لكل ناقد لكامب ديفيد؛ لأن التقارب مع إسرائيل كان الضمانة الأكبر لحكم السادات، وكان هو الصورة المثلى للتناقض بين مصالح النظام الوقتية مع واشنطن وإسرائيل، ومصالح الوطن الاستراتيجية في مصر والمنطقة العربية، فهل تعتبر المقاومة الإسلامية امتدادا للمقاومة العلمانية، أم أن ضرب التيارات الإسلامية وعداء واشنطن وإسرائيل لإيران خلق رأيا عاما يؤيد المقاومة -إن فعل- ضد المقاومة الإسلامية واعتزاز شقي المقاومة السنية والشيعية بالإسلام وبالعقيدة الإسلامية؛ لن يحول الصراع مع إسرائيل إلى الطابع الديني ليظل الصراع سياسيا حول اغتصاب إسرائيل لفلسطين وإخضاعها للمنطقة العربية؟

ولكن هل الصراع بين الطابع الدينى والعلماني في المنطقة العربية قد أثر على الموقف من المقاومة؟ هذا هو موضوع المقال التالي، ولكن يكفى أن نشير إلى أن المقاومة سواء إسلامية أو علمانية هي مقاومة للظلم الصهيوني، والدليل على ذلك أن أحد أعضاء منظمة الجيش الأحمر الياباني خرجت الآن من سجون إسرائيل بعد قضائها 22 عاما فيها بسبب عملية فدائية قامت بها لصالح الشعب الفلسطيني. ولعل قصة اليهودية راشيل التي دافعت عن القضية العادلة ووقفت أمام الجرافات الإسرائيلية التي تهدم بيوت الفلسطينيين على رؤسهم، ولقيت حتفها، ستظل شاهدة على أن القضية قضية إنسانية وسياسية، وليست قضية دينية ضيقة كما يريد بعض السفهاء أن يصم العروبة والمقاومة.
التعليقات (1)
الكاتب المقدام
الأحد، 26-06-2022 05:04 م
*** العنصرية هي البنت الشرعية للفكر الوطني والقومي عندما يتطرف، ولذلك لم يكن عجيباُ أن يصل لأقصى مظاهره في ايطاليا الفاشية ومن بعدها المانيا النازية، وهم الأحدث في الوحدة الوطنية في أوروبا، دون إغفال لعنصرية الدول الأوروبية في احتلالها للدول الأخرى، ولم يكن من المستغرب أن تحظى الفاشية والنازية في إيطاليا والمانيا بشعبية جارفة معادية لغيرها، وأن يحظى زعيميها موسوليني وهتلر بدرجة من الهوس الشعبي واعتبارهما كالقديسين في إحياء الأمة، بل تمتعوا بدرجة عالية من التأييد الرسمي للكنائس والقيادات الدينية في بلديهما في حياتهما، وكذلك فعل الجنرال فرانكو في اسبانيا الكاثوليكية بعد حربها الأهلية، وهو الأمر ذاته الذي تكرر في صربيا الأرثوذوكسية في تسعينات القرن العشرين، حيث أن قياداتهم التي اتهمت بجرائم ضد الإنسانية من المحكمة الدولية، وجدوا في الأديرة الأرثوذوكسية الملجأ والدعم والمساندة، ودعاة النهضة العربية في القرن التاسع عشر لم يكونوا مهمشين للتيار الإسلامي بل كانوا في القلب منه، وقد نشأت تلك الحركة العربية كرد فعل لتيار التتريك الجارف في تركيا العثمانية، وتهميش الولايات العربية العثمانية وتدهور أحوالها، والذي انتهى بوصول كمال أتاتورك إلى سدة الحكم، وهو الذي قضى على الدولة العثمانية وليس العرب، وكانت أقصى الأماني العربية هي مشاركتهم في إدارة شئون بلادهم للنهوض بها، مثال لذلك جمعية اللامركزية العثمانية، ومن اسمها يتضح هدفها، وكان أعضاؤها كرشيد رضا ومحب الدين الخطيب في القلب من التيار الإسلامي، وكانت مصر قد حققت نهضتها في القرن التاسع عشر اعتماداُ على ما تمتعت به من استقلال فعلي في إدارة شئونها رغم انتمائها الرسمي للدولة العثمانية، وقد ظهرت الخصومة المفتعلة بين العروبة والإسلام على يد بعض الطوائف كالنصيرية العلويين في سوريا الذين اتخذوا من القومية العربية ستاراً لإخفاء ميولهم الطائفية تحت مظلة حزب البعث، وكذلك فعل الانقلابي ناصر بإيعاز من عرابه هيكل لتجميل نظامه الدكتاتوري تحت ستار الاتحاد الاشتراكي العربي وميثاقه، والذي كان انهياره السريع وانفضاض عرابوه من حوله دليل هشاشة المبادئ التي قام عليها، بالمخاصمة مع الهوية الإسلامية الحقيقية لغالبية الشعب المصري.