مقالات مختارة

فرعون حتى بعد الطوفان!

1300x600

لم يترك الصراع السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية، موبقة من الموبقات الإنسانية الكبرى، إلا واقترفها، وما كان يعتبر من أعراض التخلُّف ومن صفات الدول الهمجية والفوضوية من عنف وتزوير وكذب وتقتيل ومشادات وتخوين. شاهدناه بالصورة والصوت بكثير من التفاصيل في الأشهر الأخيرة في العاصمة الأمريكية وبقية ولايات الدولة الأعظم في العالم، وكانت النهاية بمشادات بقلب مقرِّ الكونغرس، حيث سقط 5 قتلى والعديد من الجرحى في مأساة لم تشهد أمريكا مثيلا لها في تاريخها.


لقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية، شرطي مرور في كل الاستحقاقات الانتخابية التي تجرى في مختلف دول العالم، فهي تبارك ما تشاء من انتخابات، وتلعن من تشاء، وتحاسب من تشمّ فيه رائحة العنف أو التزوير، فتصف إيران بـ”الإرهابية” وكوريا الشمالية بـ”الخطيرة” وروسيا بـ”الديكتاتورية” ولا تعترف بما يفرزه الصندوق فيها، وتأتي بما هو أخطر وأكثر فتكا بالسياسة والأخلاق.


لا يمكن لعاقل أن يعتبر ما يحدث في هذا البلد في جميع المجالات بالنموذج والمثال الذي يُقتدى به، فقد تمكن فيروسٌ مجهري من أن يعرّيها صحيا واقتصاديا، فهي الدولة الأكثر تضررا من الوباء في العالم، بالرغم من أنها كانت تقول دائما إنها الأمة الأكثر تقدما بتجهيزاتها الطبية ومنظومتها الصحية ووعي شعبها، وتشير كل المؤشرات الصحية إلى أن عدد الوفيات قد يقارب النصف مليون في أمريكا خلال سنة 2021، إذا لم تحدث معجزة ربانية لا دخل لـ”علم” و”معارف” و”تكنولوجيا” أمريكا فيها.

قد نتفهم ما قام به الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب، من ردّ فعل عنيف موروث عن زمن “الويسترن”، حيث سلوك “الأرض المحروقة” و”أنا وبعدي الطوفان”، وقد نضع هذا الرئيس ضمن استثناءات الرجال الذين قادوا أمريكا، بسبب ما قام به من كذب على مواطنيه خلال جائحة كورونا، ومن تسريبات مُخزية خلال عمليات فرز الأصوات، ومن عنف أودى بحياة مناصريه، لكن ما يدهش فعلا، هو أن هذا الرجل الذي رفضه شعبُه ورفض هو أيضا نفسه، هناك دول وقادة يعتبرونه فرعون زمانه لا يُريهم إلا ما يرى، فيطبِّقون تغريداته ويعتبرونها أوامر وخارطة طريق لهم ولشعوبهم، حتى بعد أن جرفه الطوفان وصار نسيا منسيا.

مشهد اقتحام مبنى الكونغرس الأمريكي وسقوط قتلى وتهريب النواب إلى قاعدة عسكرية لحمايتهم من الثائرين والرافضين لنتائج الانتخابات الرئاسية، التي شاهدها الملايير من البشر في العالم، هو وصمة عار على البلاد التي تسبَّبت في بعثرة تاريخ بعض الأمم مثل العراق، وشوّهت جغرافية دول أخرى مثل فلسطين، وتواصل بمبايعة عمياء قيادة العالم وجرّه إلى حروب وهمية وتقسيم ثرواته وتبنّي دول ودويلات تدللها وتمنحها الحماية، كما هو الشأن مع الكيان الصهيوني الذي عاث إرهابا وتخريبا وفسادا في فلسطين والمنطقة، فكانت جائزته الاعتراف به “دولة” وأكثر من ذلك، شقيقة على حساب أصحاب الحق، كما حدث في عُهدة الرئيس دونالد ترامب، وما بعد عهدته.

 

(عن صحيفة الشروق الجزائرية)