صحافة دولية

في فرنسا.. عودة تشوبها الصعوبات لـ"التائبين" من سوريا

مقاتلون أجانب في سوريا
تناول موقع "سلايت" الفرنسي في تقرير له مسألة عودة بعض الشبان ممن التحقوا بالقتال في سوريا. فبعد أن كانت الحكومة الفرنسية تخشى رجوع "المتطرفين" بما يهدد ذلك أمن المواطنين وسلامتهم، فوجئت بعودة فئة غرتها أفكار سرعان ما فقدت أثرها خوفا من تقلد السلاح وفقدان الحرية، فأي مصير ينتظر هؤلاء الفارين؟

ويمضي التقرير مستعرضا قصة مهدي الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، حين ذهب إلى سوريا بصحبة أحد زملاء الدراسة مطلع السنة الماضية. وقد كان المراهق على اتصال بشخص أقنعه بضرورة السفر لمساعدة السوريين، فاستجاب على الرغم من ضبابية المشهد في ذهنه، ما أدى إلى اصطدامه بواقع لم يكن يتوقعه، وفق ما أكدت محاميته آنياس دوفاتال كوغديا.

وقالت المحامية: "لقد اكتشف أنه سيطلب منه التوجه إلى منطقة قتال واقتراف أفعال لم يكن ينوي القيام بها حين غادر".

وكان الصبي قد اتصل بوالديه إثر أسبوع من مغادرته، معلنا رغبته في العودة بعد أن فشل مرافقوه في سوريا في إقناعه بالبقاء، ليعود مهدي إلى فرنسا، بعد عشرين يوما من رحيله، مرورا بتركيا حيث كان والده بانتظاره. وتوضح المحامية أنه "كان محظوظا لكونه مِن أوائل مَن اعتزم العودة".

كما يؤكد الموقع تضاعف عودة الفرنسيين من سوريا منذ السنة الماضية، إثر خيبة الأمل التي تنتابهم لدى مواجهة واقع لم يرتق لمستوى تطلعاتهم، مثلما حصل مع ناديا التي اختفت في سوريا إثر تأثرها بما اطلعت عليه عن طريق الانترنت والفيسبوك قبل أن تغير رأيها مقررة العودة.

من جهته، قال شقيق رنا: "شهد منتصف آذار تغيرا في خطاب ناديا التي أخبرتنا بأن ما يحدث هناك لا يمت بصلة لما تم إخبارها به، فقد وجدت نفسها وسط جمع من المنافقين والكاذبين والبربر".

وكانت ابنة الستة عشر ربيعا التي تتمنى بأن تصبح طبية، قد اعتزمت العودة، غير أن الوسائل المتاحة لم تسعفها، لتتصل بعائلتها باكية، طالبة منهم المساعدة. غير أن الوضع ازداد تأزما بتلقي الصغيرة تهديدات للبقاء، ما أدى إلى صعوبة الاتصال بأهلها.

ويشير التقرير إلى المخاطر التي تحف طريق العودة من سوريا، والتي تفوق السفر إليها بأشواط، حيث أفصحت صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية عن إعدام داعش لمئة من الفارين في شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي، سعيا منهم لثني كل من ينوي المغادرة.

من جهة أخرى، يخشى العائدون المحتملون فرنسا ذاتها، كما ورد على لسان امرأة كانت قد ذهبت برفقة زوجها وأبنائها، في مكالمة لها مع والدها. وتقول المرأة: "كيف لنا أن نعود وقد تم تصنيفنا كإرهابيين؟!". ويضيف والدها متحسرا: "لقد تم إخبارهم أنهم سيواجهون السجن فور عودتهم".

غير أن فرنسا لا تملك أن تدين مواطنيها لمجرد ذهابهم إلى سوريا، إذ عليها أن تثبت اعتزام هؤلاء الالتحاق بالتنظيمات التي لها علاقة بالإرهاب، وهذا لا يقتصر على العائدين من سوريا. وعلى الرغم من التزايد المتواصل للوافدين، لا تحظى مسألة العودة هذه بنفس الاهتمام الذي توليه السلطات لقضية الذهاب، لتبقى فرنسا في خشية من رجوع المتطرفين مخافة إقدامهم على هجمات كتلك التي طالت شارلي إيبدو وغيرها، ما يطرح تساؤلات حقيقية حول إمكانية استقبال العائدين من سوريا، ومدى نجاح عملية إعادة إدماجهم.

ويعود التقرير ليعرج على قضية مهدي الذي يخضع لمراقبة قضائية بتهمة العلاقة مع عصابة مرتبطة بمنظمة إرهابية، ليشير إلى تصريح محاميته التي أكدت أنه على الرغم من استعادة المراهق لحياته الدراسية على نحو عادي، لم يتمكن من محو الآثار السلبية التي خلفها ذهابه إلى سوريا. وتضيف آنياس دوفاتال كوغديا: "تعتبر الإحاطة النفسية جزءا لا يتجزأ من الإشراف القضائي، غير أن موكلي يشعر بأن تعاطيه مع الطبيب النفسي أشبه ما يكون باستقاء المعلومات عوض مساعدته على تخطي ما مر به، ما يجعله مجبرا على خوض هذه المرحلة بنفسه".

كما ينقل التقرير تحليل لويس كروك، وهو طبيب نفسي مختص في الصدمات ومؤسس وحدات الطوارئ الطبية النفسية، الذي قال إن أغلب العائدين من سوريا هم من عاينوا الموت عن قرب، سواء كضحايا للقصف أو شهود على عمليات إعدام أو حتى مشاركين فيها. وينشئ لويس مقاربة بين ما سبق وبين الجرائم التي يمكن أن يكون قد ارتكبها هؤلاء تحت تأثير الاعتقاد بمناصرتهم للحق.

من جهته، أكد وزير الداخلية في وثائقي للقناة الفرنسية الخامسة، على صعوبة إعادة إدماج هذه الفئة، محيلا على دوافع ذهابهم إلى سوريا، ومحذرا الشباب من مغبة اختيار هذا المسار.

وأخيرا، ينقل الموقع حالة الندم التي يعيشها مهدي وغيره ممن خاضوا هذه التجربة، منوها لوجود المئات من الشباب والشابات الذين عايشوا نفس تجربته، ناهيك عن أولئك الذين لم يتمكنوا من العودة، مؤكدا على أهمية حسن تعاطي الرأي العام مع هذه القضية ضمانا لإيقاف النزيف.

تقرير لموقع سلايت

رابط النص الأصلي
https://www.slate.fr/story/98491/difficile-retour-france-repentis-syrie