كتاب عربي 21

أخيراً.. يا محمد منير؟!

1300x600

باعتقاله، أراحنا الزميل محمد منير، الصحفي اليساري المعروف، من الإجابة على سؤال ممل هو: لماذا لم يتم اعتقاله إلى الآن؟ وهو الذي كان يُطرح عليَّ بأكثر من صياغة، باعتبارنا صديقين، لعل أهمها: لماذا رغم معارضته للنظام من الداخل وعبر قناة الجزيرة لا يتم اعتقاله حتى الآن؟!

والاجابة على هذا السؤال مملة ليس فقط لأنها متكررة، نظراً لأنه يطرح كثيراً، وليس فقط لأن السؤال يحمل في طياته اتهاما مبطناً، يصل للتشكيك في مواقفه وبواعثها، ولكن لأنني بالإضافة إلى هذا أتشاءم من طرح هذا السؤال!

فلا زلت أذكر أنه قبل عشرين سنة، اتصل بي دبلوماسي يعمل في سفارة بلاده بالقاهرة، وطلب مني تحديد موعد لزيارتي في مكتبي، وعندما جلس أمامي كان يدقق النظر في وهو في دهشة، كما لو كان يريد التحقق من أنني إنسان من لحم ودم، أو أنني من سلالة انقرضت وهكذا عثر على أحد المنتمين إليها. ودخل في الموضوع مباشرة، إنه يقرأ زاويتي "كلام في الهواء" في كل يوم، وأنه يجد معارضة شديدة لنظام الحكم، ولممارسته، وأشخاصه، ممن يمثلون مراكز قوى في البلاد، فيدهشه ذلك. وأردف قائلاً: أنا أعيش في مصر، وأعرف أن هامش الحريات لا يتحمل هذا (كنا في مرحلة ما قبل الحراك السياسي الذي شهدته البلاد بعد عدة سنوات من هذه المقابلة)!

بدا الرجل وكأنه لن يصدق أي إجابة، غير أني أخرج له شهادة من درج مكتبي تفيد بأنني مجنون، ومع ذلك فقد قلت له ببساطة، إن هذا النظام يملك من أساليب الغواية الكثير، فإذا زهدت فيها، فأنت حر، وأنا أمارس حريتي من هذا الباب.

وبدت إجابتي غير مقنعة له، وقد اعتبرتُ أنه سؤال شؤم، لأنه بعد هذه الزيارة قيل "يا داهية دقي"، ودفعتُ الثمن مضاعفاً.

 

كثيراً ما طرح هذا السؤال عن شخصيات بعينها في السنوات الأخيرة، والتي تمارس المعارضة أو النقد من داخل البلاد، فيبدو طرحها كما لو كان قد ذكر السلطة بضرورة الإجابة عليها


وكثيراً ما طرح هذا السؤال عن شخصيات بعينها في السنوات الأخيرة، والتي تمارس المعارضة أو النقد من داخل البلاد، فيبدو طرحها كما لو كان قد ذكر السلطة بضرورة الإجابة عليها. ومن هنا كنت أضيق ذرعاً بهذا السؤال في حالة محمد منير، وصرت كلما طرحه أحد أردد المقولة الشعبية التي تقال في مثل هذه الحالة: "خير اللهم اجعله خيراً"، قبل أن أكرر إجابة محفوظة، حول أنه فقط لم تحن ساعته، فهذا نظام لديه أولويات، وعندما ينتهي منه سيصل لمحمد منير!

في حالة منير

وإن كان طرح هذا السؤال في حالة محمد منير، لا يأتي مسكونا بالكثير من علامات الاتهام كما في حالة غيره، ربما لأنه لا يبحث عن دور سياسي، وربما لأنه معارضته تأتي في "صنعة لطافة" كما يقول المصريون. فمحمد منير يحمل روحاً ساخرة، ولكم طالبته بأن يستحضر هذه الروح عندما يكتب مقالاته، لكنه يفتقدها إلا قليلاً. وسلطة الاستبداد لا تزعجها كثيراً المقالات، لا سيما وأنها تستطيع أن تحجبها في مصر وفي دول الحصار، لكن المزعج لها هو الشاشة!

هناك من ربما كانوا يضيقون بسماحة السلطة مع منير رغم معارضته للكثير من سياساتها على شاشة قناة الجزيرة، وفي مقالاته بموقع "الجزيرة مباشر"، في استمراره بالمعارضة من الداخل، لأنه يعطي مبرراً للسؤال الاتهام عن سبب وجودنا في الخارج، مع اتساع صدر السلطة مع المعارضين والدليل محمد منير!

صحيح أنها أقدمت على اعتقال كل من يعارض من الداخل ولو بشطر كلمة، لكنها ها هي تترك منير، على نحو كاشف بأنها لا تضييق إلا بمن يزاحم على الحكم، أما ما دون ذلك فلا تثريب عليهم، وهو أمر يعطي هذه السلطة امتيازاً حصل عليه عبد الناصر بكل استبداده، فقد تحمل معارضة خالد محمد خالد، ودخل معه في جدل وأخذ ورد أمام الناس، فكيف تقولون إنه ديكتاتور، فاستبداده كان مع التنظيمات التي تستهدف قلب نظام الحكم بالقوة، ومن أول تنظيم الاخوان المسلمين إلى التنظيمات الشيوعية المختلفة، وأنه لم تكن له مشكلة مع سيد قطب، لولا أنه عندما قرأ أحد كتبه قال هذا الكتاب وراءه تنظيم، وهو ما ثبت بالفعل!

 

صحيح أنها أقدمت على اعتقال كل من يعارض من الداخل ولو بشطر كلمة، لكنها ها هي تترك منير، على نحو كاشف بأنها لا تضييق إلا بمن يزاحم على الحكم

بيد أن عبد الفتاح السيسي ليس عبد الناصر، والأخير كان من الذكاء، رغم طغيانه، أنه أجاز عرض فيلم "شيء من الخوف" بعد أن شاهده بنفسه، وبعد أن كانت الرقابة قد أوقفت عرضه، لأنه يحمل إسقاطا على النظام، ويحرّض على الثورة. فعتريس هو عبد الناصر، وفؤادة هي مصر، ومن ثم فزواج عتريس من فؤادة باطل، بيد أن عبد الناصر رأى أن المنع سيسيء إليه أكثر من العرض، فسمح بعرضه ليكون قراره كاشفا عن أنه ليس "عتريس" الذي عقد قرآنه على "فؤادة" قوة واقتداراً، فخرجت عليه الجماهير بعد أن استجمعت شجاعتها لتحررها!

لكن مرة أخرى السيسي ليس هو عبد الناصر، ففضلا عن أن الفرق بينهما هو الفرق بين الوعي وعدمه، فإن السيسي مأزوم، وهو يخشى من أن يشاع نموذج محمد منير، الذي بدا غير مستعداً للمقايضة بحريته!

لا تظهر على الجزيرة

لقد قالوا له لا تظهر على شاشة الجزيرة، ولا تكتب في مواقعها، ولكنه قال إنه لم يرتكب مخالفة في القانون. وظنوا أنه يمكن أن يقوموا بلي ذراعه، بقولهم له إنهم يعلمون إنه يكتب بمقابل، ولم يكن الأمر سراً ولم يكن خلاف المألوف والمتعارف عليه، لكننا في ظل أنظمة الاستبداد صرنا بحاجة إلى الحديث عن بديهيات، فالحاكم يتقاضى راتبه، والطبيب يستلم ثمن الكشف، والمحامي لا يترافع مجاناً ولكن مقابل أتعاب تُدفع له، وكذلك الصحفي فما هي الجريمة في هذا؟!

إن المدان هو أن يتقاضى الكاتب أموالا ليغير من مواقفه أو يقوم بالدعاية، لمنتج أو لحاكم، والجزيرة، كغيرها من وسائل الإعلام، لم تغير قواعدها المالية لتصرف أموالاً لأصحاب رأي معين. فالذين يدافعون عن السيسي، ويزينون له سوء عمله ليراه حسناً، يتقاضون نفس المكافأة حقا. ولكن للأسف صرنا بحاجة للحديث عن بديهيات!

 

المدان هو أن يتقاضى الكاتب أموالا ليغير من مواقفه أو يقوم بالدعاية، لمنتج أو لحاكم، والجزيرة، كغيرها من وسائل الإعلام، لم تغير قواعدها المالية لتصرف أموالاً لأصحاب رأي معين

إن محمد منير ليس غريباً على السجون المصرية، فقد سجن منذ شبابه لمشاركته في التنظيمات الشيوعية، وكان صاحب خبرة في الكر والفر، ويروي كيف أن النيابة ذات مرة وجهت له ورفاقه الاتهام، بالإساءة لدولة صديقة هي إسرائيل، بالتظاهر والهتاف ضدها، وأنه يعمل من أجل قطع العلاقات معها، ليعترف المقبوض عليهم جميعا بهذه الجريمة التي تشرفهم. وكانت المفاجأة أن أعضاء هيئة الدفاع جميعا أخرجوا هوياتهم وطلبوا من ممثل النيابة ضمهم للقضية، والذي ارتج عليه، وخرج لمقابلة المحامي العام، وعاد الى مكتبه وقد تراجع عن توجيه الاتهام!

ويروي منير قصة هروبه ورفيقه المحامي الآن سيد أبو زيد، لأن الأمن كان يطاردهما، وخرجا من محافظة إلى محافظة، وعاشا على الخبز الناشف، حتى إذا استبد بهما الجوع، وجدا من الأفضل تسليم نفسيهما، ولمّا فعلا بعد عدة أسابيع، كان حالهما أقرب لأهل الكهف، فليسا مطلوبين على ذمة أي قضية، والأمن يبدو وقد فوجئ بهما يوشك أن يسألهما "من أنتم"، فخرجا. وظل يتندر بهذه الواقعة كلما رواها، كما يتندر بخيبتهم كشيوعيين، يظنون أنهم يعملون من أجل الناس وفي سبيل الفقراء. وكان الأمن يقوم بمطاردته فهرب منه، بأن صعد إلى إحدى الحافلات العامة، وإذا تتبعه الأمن، فقد ظن أنه في هذا الزحام سيكون في حماية الجماهير، لكنها خذلته وقامت بتسليمه!

ولقد طلبت منه كثيراً أن يكتب مذكراته، لأنها تستحق الكتابة، لكنه لم يكن متحمساً أبداً. رأيي أن الإنسان ربما لا يشعر بأهمية تجربته وينظر إليها على أنها عادية ليس فيها ما يغري بالقراءة، أو يجذب الانتباه، وأراها على العكس من ذلك كله، فهي جزء من تاريخ حركة النضال السياسي في مصر، كما أنها لا تفتقد لركني الإثارة والتشويق!

السجن في السابق

إن دخول محمد منير للسجن في السابق كان لوقائع كلها وقائع مرتبطة بالفعل السياسي، سواء بالمشاركة في المظاهرات أو الانخراط في تنظيمات سرية. وقد توقفت كل هذه التنظيمات والخلايا، ولم يعد أحد يعتقل محمد منير بسبب ذلك، وإن كان لم يتوقف عن المعارضة، كتابة ومشاركة. وقد كنا معا في ميدان التحرير منذ اللحظة الأولى للثورة، وروى لي أنها ليست المرة الأولى لحركة النضال المصري الاحتشاد في هذا الميدان، فقد فعلوها هم من قبل. وأشار إلى مخبز عند أحد مداخله، وكيف أن صاحبه رحمة الله عليه؛ كان كل إنتاجه في هذه الليلة من نصيب المعتصمين مجاناً، وإعجاباً منه بشجاعته ورجولتهم!

وفي مثل هذه الأيام منذ ثلاث سنوات تم القبض على محمد منير لمشاركته في المظاهرات ضد التفريط في التراب الوطني، لكن تم الافراج عنه سريعاً، وظني أن حبسه سيطول هذه المرة، لأن المطلوب كسر إرادته، وهو لن يكسر ولن يهزم. ويعز على المستبد الجاهل، أن يجد في مواجهته مواطنا أعزل يتسم بقوة الإرادة واحترام النفس وعدم الخضوع بالقول!

لقد قال لي منذ اللحظة الأولى لاقتحام منزله، إنه يدرك أنهم الآن يعدون قضية له للتغطية على الاقتحام الغاشم، وأن المطلوب منه أن يخاف أو يتراجع لكنه لم يفعل هذا في شبابه، فلن يفعله وبينه وبين "القبر فركة كعب"!

إن محمد منير صديق قديم، منذ قرابة ربع قرن، وأنا أعرف أنه صادق مع نفسه، لا يخونها ولا يضللها، رغم عاطفته الجياشة. وهو يصف نفسه بأنه "برميل عواطف" ويبدو في الكثير من أموره أنه طفل، يغضب سريعا، ثم ينسى أنه غضب وربما لا يعرف أنه غضب، وهو قبل هذا وبعده رجل تجده عندما لا يكون متوقعاً أن تجد أحداً، "صاحب صاحبه"، وقريب من كل أصدقائه وزملائه، لا يحمل في قلبه ضغينة لأحد، إلا كغضب طفل عابر وسريع. وقد اختلفنا سياسياً في كثير من المواقف، لكنه لا يغضب لهذا، وهو بمثابة صاحب القلب الكبير، ولم تنقطع علاقتنا حتى في فترة الاستقطاب الشديدة، وقد قلت لبعض الأصدقاء إن علينا أن ننهي صداقتنا على فيسبوك، حتى لا نخسر علاقتنا في الواقع، إلا هو!

وفي الدوحة التقيت بمحمد منير، عندما حل ضيفا على قناة الجزيرة لأيام، فدلنا على أماكن فيها لم أعرفها وأنا المقيم قبله بأكثر من سنة، ثم عندما علمت بسفره لتركيا سافرت له خصيصاً، ونجح في أن يكون له أصدقاء في الفندق الذي نزل فيه وفي المقاهي والمطاعم التي نحل عليها. إنه يخلق جواً من البهجة، حتى وإن كان لا يعرف من التركية إلا كلمة واحدة "أركادش" بمعنى صديق. تشعر أنه ولد وعاش حيث وجد، وصار حيث وجد يحيط به حشد كبير من المصريين مع اختلاف أفكارهم، وربما كان السؤال الذي يجمعهم هو لماذا لم يتم اعتقال محمد منير!

لقد رد السيسي الاعتبار لمحمد منير باعتقاله.

twitter.com/selimazouz1